21/11/2025
كل ذاكرةٍ متوترة... تتحول إلى لعنةٍ مفتوحة تتغذى على حاضر الأمة......
السلطة المطلقة لا تأتي من احتكار السلاح، بل من احتكار الذاكرة. من يسيطر على الماضي، يسيطر على المستقبل. ومن يمحو كل ذاكرة أخرى، يصبح هو الذاكرة.
قبل أن تتهاوى صروح المدن تحت ثِقَل الكراهية، يجدر بنا أن نتأمل حقيقةً يغفل عنها التاريخ المدوّن، وتعيها السلطة حق الوعي. .فالأمم لا تنفجر لأن ماضيها مثقل بالجراح، بل لأن أيادي السلطة تتعمد إحياء تلك الجراح ووضعها في صدارة المشهد. الذاكرة ليست مجرد سجل للأحداث، بل هي ميدان معركة تُصياغ فيه الروايات. كل أمة متعددة الأعراق تحمل تاريخين واحدٌ للمتاحف، وآخرَ مكبوتًا يتربص في الظلام، منتظرًا من يطلق له العنان.و إن قرار الحرب يُتخذ في دهاليز اللغة قبل أن تدوي أصوات المدافع.
ومن هنا يبدأ الانحدار الحقيقي؛ إذ تأتي لحظاتٌ في عمر الشعوب لا يصنعها فقرٌ أو صراع، بل تولَد حين تختار السلطة أن تبقي على الألم حيًّا لا يموت. حينها، لا تعود الذاكرة مجرد ماضٍ، بل تتحول إلى جرحٍ نازفٍ يمتد ليغتال المستقبل، ويتحول إلى وحش يبحث عن ضحية جديدة.
عندها لا تبقى للقوانين قيمة، وينهض ما هو أشد قسوة وأكثر عنادا من المنطق نفسه، اندفاع عنيف لا يعترف بحوار ولا بحدود. حين تتمزق المدن، لا تبحثوا عن السبب في ثقل التاريخ، بل في يد السلطة التي اختارت إيقاظه. الأمم لا تسقط لأنها تتذكر، بل لأن الذاكرة أصبحت سلاحًا.
أوروبا الشرقية مع نهاية القرن العشرين لم تكن تبحث عن صراع جديد، كانت تبحث فقط عن توازن هش يكفي لتجاوز سنوات الانهيار الاقتصادي والإحباط السياسي. لكن التوازن في الدول المتعددة الأعراق ليس استقرارا حقيقيا بل هدنة مؤقتة. هدنة يستطيع رجل واحد أن يحولها إلى ساحة صراع إذا امتلك الشجاعة السوداء لفتح ملف قديم يعرف الجميع خطورته ويخشى الجميع الاقتراب منه.
وفي قلب ذلك المشهد المتوتر، كانت يوغوسلافيا قبل الانفجار دولةً تبحث عن مصير مجهول، بل كانت أرضًا مثقلة بما لا يُفصح عنه، طبقات من الخوف والمرارة والروايات المتضاربة التي دفنتها السلطة لسنوات كدفن بركانٌ يحتقن غضبا. والطوائف التي تعايشت جنبًا إلى جنب تحت سماء واحدة كانت تدرك في أعماقها أن تلك السماء لم تكن قدرًا بل مهلة هشة تشبه تنفسًا بين عاصفتين، وأن الماضي حين يُستدعى لا يعود كذاكرة ساكنة، بل كوحش ينهض من سبات طويل، محمّلًا بما تراكم فيه من غيظٍ مؤجل ينتظر اللحظة التي ينفجر فيها حضورُه في وجه العالم.
وهذا ما فعله سلوبودان ميلوسيفيتش. لم يكن سياسيا يبحث عن إصلاحات، بل كان رجلا كان يعي أن الأمم المنهكة لا تُقاد بالبرامج الاقتصادية ولا بخطط الإصلاح بل تُقاد بشيء واحد فقط الخوف. ولا تُجمع الأمة بالشعور بالمستقبل بل بالشعور بأن الماضي لم ينته، وذاكرة الشعوب هي الحقل الأكثر قابلية للاشتعال.
وما إن تتحول الذاكرة إلى عقيدة، حتى يتوقف الزمن وينهض الطقس الدموي ويبدأ زمن الأسطورة الدائري. لم يعد الجار جارًا يسكن بجوارك منذ عقود، بل أصبح تجسيدًا حيًا لعدوغامض، شبحًا تاريخيًا يسكن جسدًا معاصرًا. ولم تعد المدينة مكانًا للعيش المشترك، بل مسرحًا مفتوحًا لتصفية حسابات قديمة لم تُغلق، ديون دم تنتقل عبر الأجيال وتنتظر من يطالب بها. هذا هو بالضبط ما حدث حين انزلقت يوغوسلافيا إلى الجنون المنهجي. لم تكن حربًا أهلية بالمعنى السياسي، بل كانت انهيارًا كاملاً للمنطق تحت وطأة السردية التي صاغها ميلوسيفيتش. لقد كانت حربًا ضد الزمن نفسه.
ومن هنا بدأ مشروعه الحقيقي. لم يكن مشروع دولة بل مشروع ذاكرة. أعاد فتح الجروح السلافية القديمة ووضع الماضي في واجهة الحاضر كما لو أن الزمن لا يتحرك وأن معركة كوسوفو التي جرت في عام ألف وثلاثمئة وتسعة وثمانين ما تزال تنزف. وفي خطابه في كوسوفو قبل انفجار الحرب كان يتحدث إلى الصرب لا كمواطنين يعيشون ضمن دولة معاصرة بل كأحفاد محاربين سقطوا قبل ستة قرون. كان يستعيد موتهم كي يكتب مستقبل بلاده. كان يبني سردية جديدة تتغذى من ضحايا لم يعد لهم وجود لكنه كان يعرف أن الذاكرة السياسية لا تحتاج إلى جثث حقيقية بل إلى قصة كافية.
في سراييفو، المدينة التي كانت يومًا رمزًا للتعددية ، تجلّى هذا الانهيار في أبشع صوره. لم يكن الحصار مجرد استراتيجية عسكرية، بل كان مشروعًا لإلغاء الحاضر. القناص الذي كان يطلق النار على طفل يركض نحو بئر ماء، لم يكن يرى طفلاً، بل كان يرى جنديًا عثمانيًا من القرن الخامس عشر. والمدافع التي كانت تقصف المكتبات والأسواق لم تكن تدمر حجرًا، بل كانت تمحو ذاكرة التعايش ذاتها، لتفرض بالقوة ذاكرة الصراع وحدها. لقد تحولت المدينة إلى مختبرٍ حيٍّ لفكرة أن الإنسان حين يُسلب منه حاضره، يصبح مجرد أداة في ماضٍ لم يكن جزءًا منه.
أما في سربرنيتسا، فقد وصل هذا المنطق إلى نهايته الحتمية. المذبحة التي وقعت هناك لم تكن مجرد جريمة حرب، بل كانت فعلاً لاهوتيًا معكوسًا. كانت تطبيقًا عمليًا لفكرة أن الآخر ليس له حق في الوجود في هذه السردية التاريخية الجديدة. لم يكن القتل موجهًا ضد أفراد بأسمائهم، بل ضد رمز. كان كل رجل وكل صبي يُقتل قربانًا يُقدّم على مذبح الذاكرة المستعادة، تأكيدًا دمويًا على أن الماضي الذي تم إيقاظه لا يقبل أي شريك في الحاضر. لقد انهار القانون ليس لأنه لم يكن هناك من يفرضه، بل لأن منطقًا أقدم وأكثر وحشية قد حلّ محله منطق الأسطورة الذي لا يعترف بالأفراد، بل بالرموز فقط.
وهنا، في قلب المأساة اليوغوسلافية، تتكشف الحقيقة الباردة التي صاغها مفكرون كبار حاولوا فهم الروابط الخفية التي تشكل الأمم. بنديكت أندرسون، المؤرخ والباحث السياسي الذي قضى حياته يحلل أصول القومية، وصل إلى استنتاج صادم الأمة ليست حقيقة طبيعية خالدة، بل هي "جماعة متخيلة"، لا يربط أفرادها الدم أو الأرض بقدر ما تربطهم السردية المشتركة التي يقرؤونها في صحفهم ويصدقونها عن أنفسهم في آن واحد. ميلوسيفيتش لم يفعل شيئًا سوى أنه فهم هذا القانون بحدس شيطاني؛ لم يحتج إلى تغيير الواقع، بل إلى تغيير القصة التي ترويها الجماعة لنفسها. لقد أعاد كتابة السردية، وبذلك أعاد تعريف من هو الصربي ومن هو "الآخر"، من هو الضحية الأبدية ومن هو العدو الأزلي.
أما ما كشف عنه إريك هوبزباوم، المؤرخ البريطاني الذي أعاد تفكيك أصول ما نظنه تقاليد راسخة، فكان أبعد من مجرد قراءة للتاريخ. هوبزباوم أظهر كيف أن الكثير من التقاليد التي تبدو عريقة ليست في الحقيقة إلا اختراعات حديثة، صممتها السلطة لغرس شعور بالانتماء والولاء. وفي يوغوسلافيا، لم تعد معركة كوسوفو مجرد حدث تاريخي غابر، بل تحولت إلى تقليد حي تم اختراعه من جديد، إلى مبدأ سياسي يُمارس الآن. لقد تم خلق ماضٍ لا يموت، ماضٍ أصبح هو الحاضر ذاته، وهو الذي يحدد من يستحق الحياة ومن يجب أن يُلقى به خارج حدود الذاكرة الجديدة. لقد تحولت الأسطورة القديمة إلى مرسوم إعدام، وأصبح التاريخ الذي لم يعد موجودًا هو القاضي والجلاد.
غير أن الصورة تبقى ناقصة ما لم ننظر إلى البنية النفسية التي تجعل هذا النوع من الخطاب فاعلًا في الوعي الجمعي. وهنا تبرز أعمال إلياس كانيتي، المفكر الحائز على نوبل الذي حلل في كتابه "الجماهير والسلطة" ديناميكيات الحشد. رأى كانيتي أن الفرد داخل الحشد يفقد ذاته الفردية ويذوب في كتلة واحدة تشعر بالقوة والخلود، كتلة تحتاج دائمًا إلى هدف لتفرغ فيه طاقتها.
الأخطر من ذلك، هو حديثه عن "الحشد المترصّد" الذي يتغذى على ذاكرة الاضطهاد وينتظر لحظة الانقضاض. ميلوسيفيتش لم يخلق حشدًا من العدم، بل أيقظ حشدًا مترصّدًا كان نائمًا في اللاوعي الصربي. لقد أعطى لهذا الحشد قصة الضحية، وعدوًا محددًا، ووعدًا بالانتقام. وبذلك، لم يعد الفرد مسؤولاً عن أفعاله، فالحشد لا يشعر بالذنب. لقد تحول القتل إلى تفريغ مقدس للطاقة، وتحولت الجريمة إلى فعل بقاء جماعي، لأن الفرد حين يذوب في الجماعة، ينجو من عبء ضميره الشخصي ويجد في الطاعة خلاصًا من ثقل حريته.
لم تكن تلك فوضى التاريخ بل كانت فوضى العقول التي هندستها. فوضى خرجت من عقل واحد يدرك أن الأمم يمكن دفعها إلى الهاوية إذا تم التحكم بما تتذكره. فوضى بُنيت على يقين بارد أن الهوية حين تُصنع من الألم تُصبح مطيعة، وأن الجماعة حين تُربط بجرح قديم يمكن قيادتها إلى الحرب دون مقاومة. لقد أثبت ميلوسيفيتش أن الماضي يمكن أن يكون أخطر من الدبابات، وأن الكراهية حين تُبنى بعناية يمكن أن تطيح بدولة كاملة. ومن هنا تولد السلطة من الألم.
وهنا يكمن الدرس الذي لا يريد أحد أن يراه. ليس أخطر ما تمارسه السلطة أن تُخْمِد أصوات الجماهير، بل أخطر ما تبنيه هو أن تدفعهم إلى النطق بلغتها. ليس أخطر ما تبتكره هو القمع، بل أخطر ما تصنعه هو ذاكرة جديدة، ذاكرة ليست انعكاسًا لما حدث، بل انعكاسًا لما تسعى أن يحدث. وعندما تنجح في ذلك، تُحكِم قبضتها على الأمة، ويصبح الماضي سيفًا، ويصبح الحاضر قفصًا، ويصبح المستقبل قبرًا مفتوحًا ينتظر اسمًا جديدًا.
عبيدة فران
#القيادة #القوة