29/08/2026
. هل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟
"قراءة في آية الدَّين"
من أكثر الشبهات ترداداً في الجدل حول الإسلام أن الشريعة جعلت شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، وأن هذا ـ بزعم المعترض ـ دليل على انتقاص عقلها وأهليتها وكرامتها.
غير أن هذه العبارة نفسها تحتاج إلى تحرير؛ فالقرآن لم يقل: «شهادة المرأة نصف شهادة الرجل»، وإنما نص في آية الدَّين على صورة مخصوصة من صور التوثيق، فقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282].
فالآية واردة في سياق الدَّين المؤجل وتوثيق الحقوق، ضمن منظومة كاملة تشمل الكتابة، وتحديد الأجل، والعدل، والشهادة، ومنع الإضرار بالكاتب والشاهد، ثم تختم بقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.
ومن ثم فالسؤال المنهجي ليس: لماذا جعل الإسلام المرأة نصف الرجل؟ وإنما: لماذا اختار القرآن في هذا السياق رجلاً وامرأتين، وما دلالة قوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾؟
لقد رجح الطبري أن المقصود بالتذكير هنا أن تنسى إحداهما الواقعة أو الشهادة فتذكرها الأخرى، وذهب ابن كثير إلى المعنى نفسه، ورأى أن حمل الآية على أن اجتماع المرأتين يجعلهما بمنزلة الرجل تأويل بعيد.
وهنا يظهر أول موضع للخلط: اختلاف نصاب الشهادة ليس حكماً على مقدار العقل، ولا مقياساً للكرامة الإنسانية، ولا دليلاً على نقص الأهلية القانونية.
فالأهلية شيء، وقواعد الإثبات شيء آخر. وقد يكون الإنسان كامل الأهلية في التملك والتعاقد والتصرف والمسؤولية، ثم تختلف قيمة بينته بحسب نوع الواقعة وطريق العلم بها.
ولهذا لم يجعل الفقه الإسلامي شهادة المرأة على صورة واحدة في جميع الأبواب؛ بل قرر الفقهاء قبول شهادة النساء منفردات في جملة من المسائل التي لا يطلع عليها الرجال عادة، كالولادة والرضاع والحيض والعدة وبعض العيوب المستورة، مع اختلافهم في بعض الفروع والتفاصيل.
بل إن المرأة في الإسلام لم تكن مجرد متلقية للحكم الشرعي، وإنما كانت ناقلة له ومصدراً من مصادر المعرفة الدينية. فأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت من كبار فقهاء الصحابة ورواة السنة، ورجع إليها الرجال والنساء في مسائل العلم، وقبل المحدثون رواية المرأة إذا استوفت شروط الرواية من العدالة والضبط وسائر شروط القبول، ولم يشترطوا أن تنضم إليها امرأة أخرى لمجرد كونها امرأة. وقد أعادت دراسات حديثة قراءة موقع عائشة في إنتاج المعرفة الحديثية والفقهية، وأبرزت مكانتها العلمية ونقدها لبعض روايات الصحابة.
ثم يأتي اللعان ليؤكد أن الشريعة لا تسير بقاعدة عددية واحدة في جميع الوقائع؛ فقد جعل القرآن للمرأة في اللعان شهادات تقابل أيمان الزوج، ورتب على شهاداتها دفع العذاب عنها، قال تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: 8].
وفي السنة ما يدل على قبول قول المرأة منفردة في مسائل تختص بها؛ ففي قصة المرأة التي أخبرت عقبة بن الحارث أنها أرضعته وزوجته، أفتاه النبي صلى الله عليه وسلم بما ترتب على خبرها.
كما أن القرآن أثبت للمرأة ذمتها وكسبها ومسؤوليتها، وأثبت حضورها في البيعة والتكليف، قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: 32]، وقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: 12].
فإذا كان اختلاف نصاب البينة في باب مخصوص يعني ـ كما يزعم المعترض ـ نقص العقل والأهلية، فكيف نفهم قبول رواية المرأة في السنة، وقبول قولها في بعض المسائل التي لا يطلع عليها الرجال، وإثبات ذمتها المالية، ومشاركتها في البيعة والتكليف والمسؤولية؟
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أمر آخر: الذاكرة البشرية نفسها ليست آلة تسجيل لا تخطئ، وإنما تتأثر بالانتباه والموارد التنفيذية والحمل المعرفي وتعدد المهام.
وقد خلصت مراجعة منهجية شملت أربعين دراسة إلى أن أداء الإنسان في الذاكرة المستقبلية ـ أي تذكر تنفيذ أمر أو نية مؤجلة في الوقت المناسب ـ يصبح أكثر عرضة للخطأ عندما تكون الموارد المعرفية مستنزفة في مهام أخرى متطلبة.
كما أظهرت مراجعة منهجية شملت 31 دراسة أن النساء في عدد كبير من الدراسات يتحملن نسبة أكبر من «العمل العقلي» المرتبط بالمنزل ورعاية الأطفال، كالاستحضار والتخطيط والتنظيم والمتابعة والتذكير واتخاذ القرار. وهذا لا يعني أن المرأة أضعف عقلاً، بل يعني أن توزيع الأدوار وتعدد المسؤوليات قد يخلق حملاً معرفياً له آثار قابلة للبحث والقياس.
وأظهرت مراجعة منهجية منشورة عام 2025، شملت 31 دراسة و3046 امرأة، أن الحمل قد يرتبط بتأثيرات متواضعة في بعض جوانب الذاكرة اللفظية والانتباه مقارنة بغير الحوامل، مع تفاوت جودة الدراسات وعدم إمكان إجراء تحليل تجميعي شامل.
لكن الإنصاف العلمي يقتضي ألا نقول: «المرأة أكثر نسياناً من الرجل بطبيعتها»، فهذا تعميم لا تثبته هذه الدراسات. كما لا يصح أن نقول إن هذه الدراسات «اكتشفت علة الآية»؛ فالعلة الشرعية لا تُستخرج من دراسة نفسية متغيرة، وإنما تُفهم أولاً من النص وأصول التفسير والاستنباط.
إن أقصى ما يمكن أن نقوله علمياً: إن الذاكرة والانتباه يتأثران بالحمل المعرفي وتعدد المهام وبعض الظروف الفسيولوجية، وإن وجود آلية للتذكير المتبادل بين شاهدتين في سياق توثيق الحقوق المالية أمر مفهوم من الناحية المعرفية والعقلائية.
وهذا بالضبط ما تقوله الآية: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. فالمسألة ليست «امرأة ناقصة أمام رجل كامل»، وإنما وسيلة توثيق واستيثاق في واقعة مخصوصة.
ومن هنا…فإن تحويل آية الدَّين إلى حكم شامل على عقل المرأة يشبه تحويل حكم إجرائي في باب من أبواب الإثبات إلى نظرية كاملة في طبيعة الإنسان؛ وهو انتقال لا يقتضيه النص ولا الفقه ولا العقل.
ولعل السؤال الأصح إذن ليس: «لماذا جعل الإسلام المرأة نصف الرجل؟»، وإنما: «لماذا جعل الشارع في هذه المعاملة المالية هذا النصاب من البينة؟».
وحين يوضع النص في سياقه، ويتحرر محل النزاع، ويفرق بين الأهلية والشهادة، وبين الشهادة والرواية، وبين العقل والذاكرة، يظهر أن الشبهة قد قامت على تعميم حكم خاص، ثم تحميله معنى لم يقله القرآن.
✍️ قسم الفقه وأصوله
بمدرسة العلوم الشرعية
بأكاديمية القرآن الكريم بليبيا.