24/08/2026
عائشة الناصري.. مسار قضائي استثنائي تتوج بوسام ملكي وقيادة النيابة العامة بمحكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء.
•✍️بقلم : أمين الكردودي
في مسار القضاء المغربي، تبرز أسماء استطاعت أن تجعل من المهنة أكثر من مجرد وظيفة، وأن تحول سنوات الممارسة إلى تجربة راسخة في خدمة العدالة، وترسيخ قيم المسؤولية والنزاهة والاستقلالية. ومن بين هذه الأسماء تبرز الأستاذة عائشة الناصري، التي راكمت على امتداد عقود تجربة قضائية وحقوقية جعلتها واحدة من الوجوه النسائية البارزة في المشهد القضائي المغربي.
منذ التحاقها المبكر بسلك القضاء سنة 1985، اختارت الناصري مسارا مهنيا لم يكن سهلا، خصوصا في مرحلة كان فيها حضور المرأة في مواقع المسؤولية القضائية أقل اتساعا مما هو عليه اليوم. غير أن الكفاءة المهنية، وقوة الشخصية، والتشبث بقيم العدالة، مكنت هذه القاضية من شق طريقها بثبات داخل مختلف درجات القضاء وتخصصاته.
ابنة حي درب غلف بالدار البيضاء، درست بمدرسة للا أمينة ثم بثانوية شوقي، قبل أن تلتحق بكلية الحقوق، لتبدأ بعدها مسارا قضائيا حافلا بالمحطات والمسؤوليات. وقد تنقلت تجربتها بين القضاء العادي والقضاء المتخصص، واشتغلت بالمحاكم التجارية بالدار البيضاء، كما شغلت مهمة رئيسة غرفة بمحكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء.
ولعل إحدى أبرز محطات مسارها المهني كانت سنة 2011، حين أسندت إليها مهمة وكيلة للملك بالمحكمة الابتدائية المدنية بالدار البيضاء، ضمن جيل مبكر من النساء المغربيات اللواتي ولجن هذا النوع من المسؤوليات في النيابة العامة. كما شكل تعيينها لاحقا عضوا بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية محطة أخرى عكست الثقة في تجربتها ومؤهلاتها المهنية.
ولم تكن الناصري حاضرة في قاعات المحاكم فقط، بل امتد اهتمامها إلى القضايا المرتبطة بحقوق المرأة ومكانة المرأة القاضية داخل منظومة العدالة. وفي هذا السياق، ارتبط اسمها بتأسيس الجمعية المغربية للنساء القاضيات، التي شكلت إطارا مهنيا للتعبير عن قضايا القاضيات وتعزيز حضورهن داخل الجسم القضائي.
وإذا كان التدرج في المسؤوليات يعكس الثقة المهنية، فإن التوشيح الملكي يمثل محطة ذات دلالة خاصة في مسار الأستاذة عائشة الناصري. فقد جرى خلال افتتاح السنة القضائية الجديدة سنة 2025 توشيحها بوسام ملكي من درجة فارس، تقديرا لمسارها وعطائها في مجال العدالة.
ولم يتوقف مسار التكريم عند هذا الحد، إذ جاءت سنة 2025 أيضا لتفتح أمامها صفحة جديدة من المسؤولية القضائية، بعدما تمت المصادقة على تعيينها، وهي مستشارة بمحكمة النقض، وكيلة عامة للملك لدى محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء. وقد تم تنصيبها رسميا في يونيو من السنة نفسها، في حضور عدد من كبار المسؤولين القضائيين والإداريين.
ويكتسي هذا التعيين أهمية خاصة، باعتبار أن الأستاذة الناصري أصبحت، وفق المعطيات المنشورة حول تنصيبها، أول امرأة مغربية تتولى منصب الوكيلة العامة للملك لدى محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء، في محطة تعكس تطور حضور المرأة المغربية في مواقع المسؤولية القضائية العليا. كما تؤكد الجريدة الرسمية الصادرة في أبريل 2026 استمرار اسمها ضمن المسؤولين القضائيين بمحكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء.
وفي أولى ملامح تصورها للعمل في منصبها الجديد، شددت الناصري على أهمية الزمن القضائي وضرورة عدم إهداره، معتبرة أن سرعة ونجاعة تدبير الملفات أصبحتا من العناصر الأساسية في تقييم أداء المرفق القضائي، كما أكدت أهمية حماية النظام العام الاقتصادي إلى جانب محاربة الجريمة.
إن مسيرة عائشة الناصري لا تختزل في عدد المناصب التي تقلدتها، ولا في الأوسمة والتعيينات التي توجت تجربتها، بل في تراكم مهني طويل جعلها تنتقل من قاعات المحاكم إلى مواقع المسؤولية العليا، محافظة على صورة القاضية التي ارتبط اسمها بالكفاءة والصرامة المهنية والدفاع عن مكانة العدالة.
ومن هنا، يبدو أن تعيينها على رأس النيابة العامة بمحكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء ليس مجرد محطة جديدة في مسار مهني حافل، وإنما امتداد طبيعي لتجربة قضائية طويلة، واعتراف بمسار امرأة اختارت أن تجعل من القضاء رسالة ومسؤولية قبل أن يكون منصبا.
وبين بداية المشوار سنة 1985، ومحطات القضاء التجاري والنيابة العامة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ومحكمة النقض، وصولا إلى التوشيح الملكي والتعيين في منصب الوكيلة العامة للملك، ترسم عائشة الناصري واحدة من التجارب النسائية اللافتة في تاريخ القضاء المغربي الحديث؛ تجربة تؤكد أن الوصول إلى مواقع المسؤولية لا تصنعه الألقاب، وإنما تصنعه سنوات العمل، ونزاهة الممارسة، وكفاءة الأداء، والثقة التي تُبنى بصمت وتُثبتها المحطات الكبرى.