04/10/2026
مثالية #الضرائب في #السودان وواقع #التطبيق
النظام الضريبي في السودان، من حيث التشريع والفلسفة الضريبية، يقوم على مبادئ تبدو مثالية: العدالة، المساواة بين المكلفين، توسيع المظلة الضريبية، تحقيق الالتزام الطوعي، وضمان حصول الدولة على إيراداتها دون إرهاق النشاط الاقتصادي.
لكن المشكلة الأساسية ليست دائماً في النصوص، وإنما في الفجوة بين مثالية التشريع وواقع التطبيق.
ففي الجانب النظري، يفترض أن يكون لكل نشاط اقتصادي وعاء ضريبي واضح، وأن يقدم المكلف إقراره مستنداً إلى دفاتر وحسابات سليمة، ثم تقوم الإدارة الضريبية بالتحقق من صحة البيانات وفق منهج قائم على المخاطر والمعلومات.
أما في الواقع، فإن اتساع الاقتصاد غير الرسمي، وضعف المعلومات، وعدم انتظام المستندات، وتعدد مراكز النشاط، وظروف الحرب والنزوح وتوقف بعض المنشآت، كلها تجعل الوصول إلى الدخل الحقيقي والوعاء الضريبي الفعلي أمراً أكثر صعوبة.
وهنا تظهر مشكلة مهمة: كلما قلت المعلومات زاد الاعتماد على التقدير، وكلما زاد التقدير دون معلومات كافية زادت احتمالات الاختلاف والمنازعات بين الإدارة والمكلف.
لذلك فإن معالجة المشكلة لا ينبغي أن تتركز فقط على زيادة الفحص أو رفع التقديرات، وإنما على بناء منظومة معلومات ضريبية متكاملة تبدأ من تسجيل النشاط، وتمر بالفاتورة والمبيعات والمشتريات، وربطها بالبيانات المتاحة لدى الجهات ذات الصلة، ثم استخدام التحليل الرقمي لتحديد المخاطر والفجوات.
كما أن ضريبة القيمة المضافة تمثل نموذجاً واضحاً لهذه المسألة؛ فنجاحها يعتمد على معرفة سلسلة التعامل كاملة، وليس فقط على مراجعة المستندات التي يقدمها المكلف عند الفحص.
ومن هنا يمكن النظر إلى الفجوة الضريبية باعتبارها مؤشراً أكثر أهمية من مجرد حجم التحصيل؛ فهي تكشف الفرق بين الإيراد الذي يمكن أن تحققه الدولة في ظل النشاط الاقتصادي القائم، وبين ما يتم تحصيله فعلياً.
وعليه، فإن الإصلاح الضريبي في السودان يحتاج إلى الانتقال تدريجياً من مفهوم «الضريبة التي تستطيع الإدارة تحصيلها» إلى مفهوم «الضريبة المستحقة فعلاً وفق النشاط الاقتصادي الحقيقي».
فالهدف ليس زيادة العبء على المكلف الملتزم، وإنما توسيع القاعدة، ودمج الاقتصاد غير الرسمي، وتحقيق العدالة بين المكلفين، وتقليل مساحة التقدير والمنازعات.
وفي النهاية، يمكن تلخيص المسألة في معادلة بسيطة:
تشريع عادل + معلومات دقيقة + رقمنة + إدارة قائمة على المخاطر + التزام طوعي = ضريبة أكثر عدالة وكفاءة.
أما استمرار الفجوة بين مثالية القانون وواقع التطبيق، فيعني أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من تطوير أدوات التطبيق والمعلومات، وليس من التشريع وحده.
بقلم استاذ عبدالحليم عمر