04/02/2026
#دم #الورود
في كل مساء يوم سبت يحط فلاديمير الرحال الى قرية بيتروشينا غورا، حيث يعبر النهر الذي يحمل الاسم نفسه، كانت أشبه برقعة نسجها الزمان بخيوط من ضباب وحكايات غير مكتملة.
قرية صغيرة، معزولة، محاطة بأحراج كثيفة تختلط فيها رائحة الصنوبر بالتراب الرطب، وتعلوها سماء رمادية كأنها مرآة لصمت أهلها.
هنا، لا يعلو صوت فوق خرير النهر، ولا تمرّ أيام دون أن تهمس الريح بأسرار قديمة بين شقوق الجدران الخشبية.
بيوتها متقاربة، لكنها متباعدة روحيًا… كل باب فيها مغلق بإحكام، وكل نافذة تشبه عينًا تراقب دون أن تُرى.
الناس في بيتروشينا غورا يمشون ببطء، كأنهم يخشون إزعاج الأرض، يلقون التحية دون أن يتوقفوا، ويتحدثون كمن يكتب على ماء.
أما النهر، فكان الشريان الذي يغذي كل هذا السكون. ماءه لا يصرخ ولا يندفع، بل ينساب ببطء، حاملاً بين تموجاته صورًا باهتة لماضٍ لا يريد أن يُنسى.
وفي زاوية معزولة من القرية، حيث الأشجار تُسدل ظلالًا طويلة على العشب، يقع كوخ صغير مطلّ على النهر، كوخ المحقق فلاديمير.
كلما عاد إلى هذا المكان، كان يشعر وكأن أنفاسه تعود إلى صدره بعد غياب. الكوخ ليس بيتًا فحسب… بل قطعة من روحه، ورائحة من طفولته، وحضن هادئ وسط جنون العالم.
في ذلك المساء، دخل الكوخ بصمت العارف. لا يشعل النور فورًا، بل يفتح النوافذ قليلاً ليسمع همس النهر.
جلس على أريكته القديمة، المهترئة من جهة الذراع اليمنى، حيث اعتاد أن يستقر جسده منذ سنوات.
في يده سيجارة كوبية يعبّ منها بتؤدة، وعلى الطاولة فنجان قهوة من نوى التمر المحمص، كما كانت تصنعها له أمه يومًا… قبل أن يأخذها المرض دون وداع.
كان وحده، لكنه لم يشعر بالوحدة.
كل شيء من حوله – رائحة الخشب، صوت النار المتكسرة في المدفأة، صرير الريح على النوافذ – كل ذلك كان يؤنسه، بل يذكّره بأنه ما زال حيًّا، رغم كل شيء.
نظر إلى كومة من الصحف القديمة قرب المكتب… عاداته لا تتغيّر: يشتري كل صباح صحيفة، يقرأها على مهل، ثم يطويها ويخزنها في مكتبته…
وكأنّه يكدّس الأيام في رفوف، ليعود إليها حين يضعف الحاضر.
لم يكن يبحث عن شيء… لكنه مدّ يده عشوائيًا، سحب صحيفة دون أن يقرأ التاريخ.
نفض الغبار عنها، جلس أعمق في الأريكة، وبدأ يقرأ…
دون أن يدري، كانت عيناه تتّجهان نحو الصفحة الأخيرة… حيث يقبع اعترافٌ غريب بعنوان:
"وردة المساء"…
"أهديتك وردة ذات مساء… دسستها في طيّات الكتاب الرابع، كما فعلت مع من قبلك..."
"كانت الرسالة دومًا في الساق، واللون لا يُخطئ توقيته…"
"الكل ينسى، إلا أولئك الذين لا يُفترض بهم التذكّر."
"أكتب إليك بعد أن أتممت السادسة، والليلة… قد تحصد السابعة."
"لا أبحث عن المغفرة، بل عن قارئٍ ذكي لا يخاف.
وبينما كانت عيناه معلّقتين على الكلمات الأخيرة في الاعتراف، سمع وقع خطوات خفيفة خلفه… خطوات يعرفها دون أن يلتفت.
كانت غراشا تقف خلفه، بشعرها الداكن المنسدل كستارة ليلية، ووجهها الذي يشبه صفحة ماء هادئة… تستطيع أن ترى فيه انعكاسه، لكنها جزء من عالمه العقلي فقط، وليست طرفًا في القضية.
اقتربت أكثر، وأسندت رأسها برفق على كتفه الأيسر، وهمست بنبرة رخيمة:
"أشمّ رائحة لغز… سرقك مني هذا المساء."
ابتسم فلاديمير بخفوت، ربت على يدها بإصبعه، ثم رفع يدها إلى شفتيه وقبّلها، وقال:
"هذه الكلمات… أشعلت في صدري هاجسًا قديمًا، يا غراشا."
جلست بجانبه، متكئة على كتفه دون أن تفقد صمتها الغريب، ونظرت إلى الصحيفة كأنها تقرأ ما لم يُكتَب.
كانت عيناها الرماديتان تشبهان نافذتين على عالم آخر… عالم يفهمه هو وحده.
رفعت الصحيفة قليلًا، وحدّقت في العنوان اللامع على الصفحة الأخيرة، ثم قالت بصوت منخفض:
"فلاديمير… أيّ لون كانت وردة هذه الليلة؟"
بعد صمت طويل، ارتجفت الأفكار في رأسه.
نظر إليها بحدة، كمن يرى الحقيقة لأول مرة.
تقدّم خطوة، ثم أخرى، كأنه يحاول الإمساك بجذر سر قديم.
جلس فجأة على الكرسي، ثم أمسك يدها، ليس بالحب، بل للتركيز على دعم عقلها ومساعدتها له على ترتيب الفرضيات.
فلاديمير:
"غراشا… كل احتمال مهم…
إذا كان هذا الرجل موجودًا في برنامج طفولتك… أو متصل بالورود…
فنحن أمام شبكة من الرموز.
سوف نبحث عن الحلقة، عن أي دليل… أي شيء قد يقودنا إلى وجهه… قبل أن يظهر مرة أخرى."
غراشا نظرت إليه، لم تقل كلمة… لكنها كانت موجودة كجزء من تفكيره، كظل منظم لأفكاره، وعقل إضافي يقود التحقيق معه.
صباح اليوم التالي
استيقظ فلاديمير قبل الضوء، جلس على الكرسي قرب النافذة، فنجان قهوة بيده، وعيناه تركز على تموجات النهر.
في المطبخ، كانت غراشا تعدّ القهوة، صامتة، كأنها تعرف أن دورها اليوم أكبر من مجرد ربة منزل.
فجأة توقفت، تذكرت شيئًا من طفولتها: سلسلة تعليمية قديمة، برنامج تحقيقات لم يُكمل، رجل يرتدي رداء أسود، يظهر في الشارع، ويهدي الناس وردة حمراء، لكنها لم تكن مجرد وردة، كانت محترقة عند أحد أطرافها.
فلاديمير صمت، يمسك فنجان القهوة بإحكام، وعقله يركض بين الماضي والحاضر.
فلاديمير:
"إذا كان ما تتذكرينه دقيقًا… فالضحية الثالثة… الوردة المحروقة… ليس من الممكن أن تكون صدفة."
غراشا:
"ربما مجرد سلسلة تعليمية… أو ربما شخص استخدمها كقالب لأفعاله."
نهض فلاديمير، بدأ يمشي في المطبخ بخطوات قصيرة، العقل مشغول بتحليل كل تفصيلة.
ثم أمسك يد غراشا، ليس بالحب، بل للتركيز على دعم عقلها ومساعدتها في ترتيب الفرضيات.
فلاديمير:
"غراشا… كل احتمال الآن مهم…
إذا كان هذا الرجل موجودًا في البرنامج… فنحن أمام شبكة من الرموز.
سوف نبحث عن الحلقة، عن أي دليل… أي شيء قد يقودنا إلى وجهه… قبل أن يظهر مرة أخرى."
النهار يشرق، والنهر يهمس كالعادة… لكن اليوم، كان أول خطوة فعلية نحو كشف اللغز، وكان عقل فلاديمير وحواسه كلها متجهة نحو الرجل في الرداء الأسود والوردة المحروقة.