31/07/2026
من محراب العدالة إلى صخب الاستعراض: المحاماة بين المجد التاريخي وضرورة الردع النقابي
تظل المحاماة، في جوهرها وفلسفة وجودها، إحدى أنبل الرسائل الإنسانية وأعرقها؛ فهي المهنة التي اقترن اسمها دائماً بالدفاع عن الحرية، ونصرة المظلوم، وإرساء دعائم العدالة. لقد كانت قاعات المحاكم على مر التاريخ محراباً يتهيب المحامون دخوله إلا بوقار العلم ومهابة الكلمة، حيث يرتدي المدافع رداء الحق، متسلحاً ببلاغة الحجة وقوة الدليل.
وإذا أمعن المرء النظر في تاريخ هذه المهنة العريقة، يجد أنها كانت صانعة القادة وموئل علية القوم وفطاحل الفكر. فقد أنجبت المحاماة قامات شاهقة مثل "أستاذ الجيل" أحمد لطفي السيد، وزعيم الأمة مصطفى كامل، والسياسي البارز نجيب الهلالي باشا، ومكرم عبيد، وفى العصر الحديث الاستاذ احمد الخواجة والفقيه الكبير الاستاذ رجائي عطية وغيرهم ممن جعلوا من المنبر القانوني منصة للحرية والوطنية، وأرسوا تقاليد صارمة في السلوك والهيبة والتجرد.
كان المحامي يمثل رمزاً للرصانة والفصاحة، لا يمارس عمله إلا بنبل الفرسان. فرسان بمعنى الكلمة وكان الناس ينظرون إليهم نظر إجلال وتقدير واحترام
غير أن المشهد اليوم يشهد تحولاً مؤلماً ومؤسفاً يمس جوهر هذه الرسالة وقيمها الراسخة. فقد امتدت يد المبتذل من المظاهر الاستعراضية إلى هذا الجسد المهني العريق، وظهَرَت فئة تُسيء لكرامة المحاماة برمتها؛ محامون يتخذون من منصات التواصل الاجتماعي ساحات للإعلان عن أنفسهم بفيديوهات استعراضية، تصاحبها صخب أغاني "المهرجانات" وسلوكيات لا تمت لثقافة القانون أو هيبة الرداء بأي صلة، في مشهد يجرد المهنة من وقارها التليد ويحولها إلى بضاعة استهلاكية رخيصة.
أمام هذا الانحدار السلوكي والسطحية الفجة، لم يعد الأمر مجرد أخطاء فردية يُغض الطرف عنها، بل أصبح تهديداً مباشراً لمكانة المحاماة وقيمتها المجتمعية. ومن هنا، تبرز المسؤولية الأصيلة والمباشرة لنقابة المحامين، بصفتها الحارس الأمين على تراث المهنة وأخلاقياتها؛ إذ بات من المحتم على النقابة الاستيقاظ لمواجهة هذه الظواهر بكل حسم وقوة.
إن حماية هيبة المحاماة تتطلب تفعيل اللوائح أدبياً وقانونياً، واتخاذ إجراءات زجرية صارمة ضد كل من يستغل اسم المهنة ورداءها في مشاهد مبتذلة تجلب الازدراء للجميع. يجب ألا تتوانى المجالس التأديبية بالنقابة عن توقيع عقوبات رادعة—تصل إلى الشطب والمنع من الممارسة—على هؤلاء الذين قايضوا وقار الرسالة بشهرة زائلة على وسائل التواصل الاجتماعي.
إن استعادة المجد الغابر للمحاماة لن يأتي عبر الأمنيات، بل عبر فرض الانضباط والالتزام بميثاق الشرف الأخلاقي للمهنة. فالمحاماة ستبقى أبداً رسالة العظماء، ولن يستقيم أمرها إلا بسيف نقابي حاسم يقطع الطريق على الكسب الرخيص، ويحفظ للمحراب هيبته وللرداء كرامته.