22/05/2024
صمغ الهشاب ( لكنه لا يموت )
قديما عرف الصمغ (صمغ الهشاب) كسلعة تجارية بمسمى "الصمغ العربي"، إلى أن جاء عام 1999م فتم ضم صمغ الطلح إلى صمغ الهشاب ليعرفا معاً منذ ذلك العام بمسمى الصمغ العربي، فحدث إثر ذلك أن تدنت حصة السودان في السوق العالمية لتصل بحلول العام 2007 إلى أقل من 50%، وذلك لصالح بعض الدول المنافسة مثل نيجريا وتشاد. كذلك صارت صادرات العالم من صمغ الطلح مماثلة تقريباً لصادرات صمغ الهشاب، الذي كان ينفرد بسيادة أسواق الصمغ العربي العالمية قبل ضم صمغ الطلح إليه، حينذاك تعالت الأصوات: طالما أن صمغ االطلح هو صمغ عربي مثله مثل صمغ الهشاب سواء بسواء، فلماذا إذن أن سعره ثلث سعر صمغ الهشاب؟ ولماذا أن صادراته (الأقل سعرًا) مماثلة تقريباً لصادرات صمغ الهشاب (الأعلى سعراً)؟ أليس من المنطقي والطبيعي والمعقول أن يتسيِّد صمغ الطلح الأسواق ويختفي صمغ الهشاب ويزول ويتوارى من الأسواق؟ كلا ولا ولن يجدث هذا، قال البنك الدولي في مذكرة نشرها عام 2007. لماذا؟
نسبة لتدني الخواص الفيزيائية والتصنيعية لصمغ الطلح فإن بعض مستخدمي الصمغ العربي المهمين لا يرون لصمغ الهشاب صنواً أو بديلا، ولأجل ذلك فسوف لن يموت الصمغ العربي جنس الهشاب.
في موسم 73/1974 أدى العجز الحاد في إنتاج دول غرب أفريقيا، من تمكين السودان من الانفراد بسوق الصمغ العالمي بكامله تقريبا. وقد أدت محاولة السودان استغلال تلك الفرصة لتحقيق أكبر عائد من العملات الصعبة إلى رفع الأسعار بنسبة 400%، فظهرت بدائل الصمغ الاصطناعية زهيدة الثمن واقتطعت 30% من سوق الصمغ العالمي (صمغ الهشاب آنذاك). وفي موسم 84/1985 بلغ العجز في انتاج الصمغ العربي 60% من المتوسط السنوي، وقفزت الأسعار بنسبة 370% فتهيأ الطريق مرة أخرى لبدائل الصمغ المصنعة، واستحوذت على أكثر من 50 % من المجالات التي كان يستأثر بها الصمغ العربي (صمغ الهشاب آنذاك). ولأن صمغ الهشاب منتج عضوي طبيعي آمن ومأمون الاستخدام ومجرب على مدى قرون ولأنه كذلك يحتوي على نسبة عالية من الألياف الصالحة لأغذية الحمية والاستخدامات الصحية الأخرى فقد قيض الله له جمعيات حماية المستهلك فتصدت لمناهضة البدائل الاصطناعية ومضافات الأغذية الكيمائية. كما تزايد اهتمام جمهور المستهلكين بالصمغ العربي (صمغ الهشاب آنذاك) أكثر وأكثر. والاعتراف بجودة الصمغ العربي (أعني صمغ الهشاب) .
الصمغ العربي (صمغ الهشاب) .
في موسم 1994/95 تمكن السودان من رفع إنتاجه إلى 49 ألف طن (هشاب) فعمد حينذاك إلى سيناريو التخفيض الحاد المتتالي سنوياً لأسعار صادره من الصمغ (صمغ الهشاب)، مما أحدث هبوطاً في الأسعار من 4200 دولار/الطن في مايو 1996 إلى 1250 دولار/الطن في سبتمبر 1998، فانخفضت بذلك قيمة صادرات الصمغ (صمغ الهشاب)، وتضاءلت قيمة عائد المنتج منه، وتراكم مخزون الصمغ (صمغ الهشاب) عالي التكلفة؛ الصمغ العربي (صمغ الهشاب) يمرض ولكنه لا يموت.
في موسم الصمغ (صمغ الطلح والهشاب) الحالي،2023/2024 لم يتجاوز الإنتاج حتى الآن -حسب بعض المنتجين والمصدرين- نسبة 50% من متوسط إنتاج أعوام الاستقرار السابقة، والتي بلغ فيها متوسط الإنتاج 110 ألف طن سنوياً؛ حوالي 60% من إنتاج هذا العام طلح (33 ألف طن تقريباً) و40% هشاب (22 ألف طن تقريباً). ومتوسط سعر صادر طن الهشاب 3300 دولار، ومتوسط سعر صادر طن الطلح 1675 دولار. وهذا يعنى أن العائد المتوقع من صمغ الهشاب هذا العام (بالتقريب) 72.6 مليون دولار؛ ومن صمغ الطلح 55.3 مليون دولار بجملة كلية تبلغ 127.9 مليون دولار، هذا العائد أكبر من عائد عام 2017 الذي شهد أعلى صادر صمغ في تاريخ السودان، بجملة بلغت 79,536طن (26,643 طن هشاب + 52,893 طن طلح) قيمتها 113.9 مليون دولار، بمتوسط سعر 2722 دولار لطن الهشاب و784 دولار لطن الطلح.
هذا هو وجه العجب، أنه رغم الحرب، والتهريب، وتضاعف تعرفة النقل أكثر من خمسة أضعاف، وتعدد الرسوم والجبايات المليارية غير القانونية، والشلل شبه التام للأجهزة المختصة بالصمغ، والإشكالات المزمنة الموروثة الكامنة في سلسلة الصمغ، بدءاً من المنتج، تاجر القرية، أسواق المزادات، المحليات، التجارة، المالية، البنوك، الزكاة، الضرائب، الطرق، الجمارك، المواصفات، المصدرين، وكلاء البواخر، ومجلس الصمغ، رغما عن كل ذلك ظل الصمغ العربي (صمغ الهشاب بالتحديد) "شايل فوق الدبر"، ولو كان قدر له أن يموت، لكان قد قدر له أن يموت هذا العام. ولكن قدره الا يموت طالما أنها تدور والاحصاءات لا تكذب.
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.
د/ عبد العظيم ميرغني
الامين العام للمجلس القومي للتصحر