10/03/2026
#رســـالة
السادة والسيدات أعضاء المجلس الأعلى للشباب:
سبق لي أن وجهت رسالة إلى معالي وزير الشباب انتقدت فيها طريقة تسيير هذا القطاع، وكان المدافع الأول عن الوزير في تلك اللحظة أعضاء المجلس الأعلى للشباب، واليوم أكتب إليكم مباشرة ليس بدافع الخصومة وإنما بدافع الأمل في أن تتحرك داخل هذه المؤسسة روح المراجعة الصادقة التي تفرضها مسؤولية تمثيل الشباب.
إن القوقعة التي أصبح المجلس يعيش داخلها نتيجة منطق التقوقع في الفكر والابتعاد عن الاحتكاك الحقيقي بمشكلات الشباب اليومية أفقدت المجلس جزءا كبيرا من مصداقيته كهيئة استشارية، وهذا الوضع يقدم في الوقت نفسه حجة سهلة لمن يتمسكون بالفكر الكهولي ويكررون مقولة أن الشباب غير قادرين على تحمل المسؤولية، ويُستدل بالمجلس نفسه كدليل على ذلك، وهو أمر لا نريده جميعا ولا يخدم صورة الشباب ولا مستقبلهم.
صحيح أن المجلس نظم دورات تكوينية ولقاءات موجهة للشباب، غير أن البهرجة الإعلامية التي صاحبت هذه الأنشطة طغت على أهدافها وعلى التوصيات التي يفترض أن تخرج بها، والمتابعة المستمرة لما ينشر حول نشاطات المجلس تعطي انطباعا بأن التركيز أصبح منصبا على الكم أكثر من النوع، وعلى الصورة الإعلامية أكثر من الأثر الفعلي في واقع الشباب.
هذا النقد يصدر من باب الحرص ومن منطلق النقد البنّاء وليس تعبيرا عن حقد أو غل، ومن يتابع صفحات الهجرة على مواقع التواصل الاجتماعي يرى حجم الغليان في تعليقات الشباب الباحثين عن فرصة مغادرة البلاد، وهو مؤشر صريح على حالة القلق والإحباط التي يعيشها جزء واسع من هذه الفئة، في المقابل خَصصت الحكومة إمكانيات مالية معتبرة للمجلس، غير أن أثر هذه الإمكانيات لم يظهر في الواقع إلا في شكل ندوات فكرية محدودة التأثير.
كان الأمل أن يبادر المجلس برفع توصيات جريئة للحكومة تعكس طموح الشباب وتدفع نحو تمكينهم الحقيقي، كان من الممكن مثلا اقتراح إدماج أعضاء المجلس ضمن الوفود الرسمية للحكومة في زياراتها الداخلية والخارجية، باعتبار ذلك خطوة عملية في مسار التمكين السياسي للشباب، وكان من الممكن أيضا اقتراح اعتماد كفاءات المجلس لتمثيل الدولة الجزائرية في عدد من الهيئات والمؤسسات الدولية بما يعزز حضور الشباب في الفضاءات الدولية.
كما كان من المنتظر أن يلعب المجلس دورا فاعلا في تفعيل برامج التبادل الشبابي الخارجي، بما يسمح بالاحتكاك بشباب الجالية الجزائرية في الخارج وفتح قنوات لدمج طاقاتهم في مشاريع وطنية تستفيد منها الجزائر بدل أن تذهب خبراتهم لصالح دول أخرى، هذا المسار يمكن أن يشكل أيضا دعما حقيقيا للدبلوماسية الرسمية من خلال بناء جسور تواصل شبانية مع مختلف دول العالم، وهي الممارسة التي تعرف في العديد من الدول بالدبلوماسية الشبابية.
لقد حمل أعضاء المجلس بحكم موقعهم رسالة ملايين الشباب الذين خرجوا في حراكنا المبارك مطالبين بالتغيير وبمستقبل أفضل، غير أن المجلس لم يكن في مستوى المسؤولية المنتظرة منه في نقل صوت تلك الفئة بالشكل الذي يعكس تطلعاتها بصدق وجرأة، كما أن المسؤولية لا تقع على المجلس وحده، لأننا نحن أيضا كشباب لم نقم دائما بالدور المطلوب في توجيهكم ونصحكم وتصويب مساركم عندما كان ذلك ضروريا.
هذه الرسالة يكتبها شاب يرى نفسه واحدا من هذا الجيل ويحاول مثل كثيرين غيره إيصال صوت يمثل فئة واسعة من الشباب الذين يتقاسمون نفس القلق ونفس الأمل في أن تتحول مؤسسات تمثيل الشباب إلى أدوات حقيقية للتأثير لا إلى هياكل شكلية.
ما أكتبه ينطلق من قناعة بسيطة مفادها أننا لا نكره الأشخاص وإنما نرفض الأفعال التي نعتقد أنها لا تخدم المصلحة العامة، الأمل قائم في أن يستعيد المجلس دوره الطبيعي كجسر حقيقي بين الشباب وصناع القرار وأن يتحول إلى مساحة تعبر بصدق عن طموحات جيل كامل يبحث عن مكانه في وطنه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تقبل الله منا ومنكم صالح الاعمال.