15/05/2026
الفصل الأول — حين تشبه النظرة اعترافًا مؤجلًا
في بعض الأحيان، لا يبدأ الحبّ برسالة، ولا بصدفة مبتذلة، ولا حتى بإعجاب سريع يشبه ما يرويه الناس في الحكايات العابرة…
أحيانًا يبدأ بشعور غامض يشبه العودة إلى شخص لم نلتقه من قبل.
وكان ذلك تمامًا ما حدث مع ليان.
في ذلك الصباح الشتوي، كانت المدينة مبللة ببقايا مطر الليل، والهواء باردًا إلى درجة تجعل الأنفاس مرئية. الأشجار الممتدة قرب الثانوية بدت ساكنة بشكل حزين، وكأنها تستمع إلى شيء لا يسمعه أحد.
كانت ليان تسير وحدها.
ليس لأنها تكره الرفقة، بل لأنها تعوّدت أن تحتفظ بمسافاتها عن العالم. فتاة في الثالثة ثانوي، لكنها تحمل داخلها هدوء امرأة أنهكتها الحياة مبكرًا. لم تكن كثيرة الكلام، ولا من الفتيات اللواتي يبحثن عن الانتباه، ومع ذلك… كان هناك شيء فيها يجعل من يراها يشعر أنه يعرفها منذ زمن بعيد.
كانت تؤمن أن الأرواح لا تتشابه عبثًا.
وأن بعض الناس يدخلون حياتنا لأن القدر تعب من إرسال الإشارات.
على الجهة الأخرى من الشارع، كان آدم يقف أمام مكتبة صغيرة التصقت بها رائحة الورق القديم والحبر والذكريات. في التاسعة والعشرين من عمره، لكنه يبدو أكبر بقليل… ليس في ملامحه، بل في عينيه.
عيناه كانتا تحملان ذلك النوع من الصمت الذي لا يولد إلا بعد خسارات كثيرة.
منذ سنوات، صار آدم يعيش حياة ثابتة بشكل مؤلم؛ يستيقظ في الوقت نفسه، يفتح المكتبة نفسها، يبتسم للوجوه نفسها، ويعود إلى البيت نفسه الذي صار هادئًا أكثر مما ينبغي بعد وفاة والده.
حتى الأحلام داخله أصبحت مؤجلة.
كأنه أقنع نفسه أن الحياة لم تعد تحمل جديدًا.
لكن الإنسان لا يعرف أبدًا متى يقرر القدر أن يهزّ قلبه بعنف.
دخلت ليان المكتبة هربًا من المطر الذي عاد فجأة دون إنذار.
رنّ جرس الباب الصغير المعلّق فوق المدخل.
رفع آدم رأسه بشكل عفوي…
ثم نسي تمامًا ماذا كان يفعل.
كانت تقف قرب الباب تضم معطفها بيديها الباردتين، وخصلات شعرها المبتلة تلامس وجهها بهدوء. لم تكن الأجمل بطريقة صارخة، بل كانت من ذلك النوع النادر الذي يزداد جمالًا كلما تأملته أكثر.
أما هي، فشعرت للحظة أنها دخلت مكانًا تعرفه.
رائحة الكتب القديمة… الهدوء… وصوت المطر بالخارج…
ثم عيناه.
يا الله… عيناه.
لم تكن نظرة رجل يراقب فتاة بإعجاب عابر، بل نظرة شخص لمح فجأة شيئًا كان يبحث عنه دون أن يدري.
خفض آدم نظره سريعًا وكأنه انتبه لتجاوز غير مقصود، ثم قال بصوت هادئ: — "يبدو أن المطر قرر إنقاذ المكتبة من الوحدة اليوم."
ابتسمت ليان رغمًا عنها.
لم يكن الكلام مميزًا، لكن طريقته كانت دافئة بشكل غريب.
اقتربت من الرفوف ببطء، تمرر أصابعها على عناوين الكتب وكأنها تلمس أرواح أصحابها. بينما كان آدم يراقبها بصمت متردد.
لاحظ شيئًا لم يفهمه في البداية…
كانت تتحرك داخل المكتبة وكأنها لا تبحث عن كتاب، بل عن شعور.
توقفت أمام رواية قديمة وسألت: — "هل تؤمن أن الكتب تستطيع إنقاذ الإنسان؟"
كان سؤالًا غريبًا على فتاة في عمرها.
رفع آدم عينيه نحوها للحظة طويلة قبل أن يجيب: — "أحيانًا… الكتب لا تنقذنا، لكنها تمنعنا من الغرق وحدنا."
ساد صمت قصير.
الصمت الذي يحدث حين يلمس الكلام مكانًا حساسًا داخل شخصين في اللحظة نفسها.
شعرت ليان بشيء يرتجف داخلها.
كيف يمكن لغريب أن يجيبها بهذه الطريقة وكأنه يعرف تمامًا ماذا تخفي؟
أما آدم، فكان يشعر بخطر هادئ يقترب منه.
خطر يشبه التعلّق.
ومنذ سنوات، كان يخاف التعلّق أكثر من أي شيء آخر.
أخذت ليان الرواية، ثم فتحت الصفحة الأولى بشكل عشوائي.
وقرأت بصوت منخفض:
"بعض اللقاءات لا تحدث لكي تبدأ شيئًا… بل لكي توقظ شيئًا كان نائمًا داخلنا."
رفعت عينيها نحوه دون قصد.
وكان ينظر إليها بالفعل.
لثانية واحدة فقط…
لكنها كانت كافية ليشعر الاثنان أن شيئًا ما قد بدأ.
شيء أكبر من مجرد لقاء. وأخطر من مجرد إعجاب.