15/09/2026
🛑خرافة العادي: أخطر شيء في مؤسستك قد يكون الشيء الذي تراه طبيعيًا🛑
ماذا لو كان الشيء الذي تعتقد أنه «طبيعي» هو بالضبط الشيء الذي يمنعك من التغيير؟ 🚫
في كتابه «خرافة العادي: الصدمة والمرض والتعافي في ثقافة سامة»، يناقش الطبيب والكاتب الكندي غابور ماتيه فكرة تبدو بسيطة، لكنها شديدة العمق: ليس كل ما أصبح شائعًا أو مألوفًا أو متكررًا أمرًا طبيعيًا بالمعنى الصحي.
فالإنسان يستطيع أن يتكيف مع ظروف غير صحية إلى درجة أنها تصبح بالنسبة إليه «العادي»، والمجتمع يستطيع أن يفعل الشيء نفسه. وإذا نقلنا هذه الفكرة من سياقها الطبي والنفسي إلى عالم الإدارة والتغيير، فإنها تفتح بابًا مهمًا لفهم لماذا تفشل بعض المؤسسات في التغيير رغم أنها تعرف أن شيئًا ما لم يعد يعمل.
🛑 المشكلة تبدأ في اللحظة التي يتحول فيها «إحنا متعودين» إلى حجة أقوى من «إيه الأفضل؟».
في الحياة الشخصية قد يقول الإنسان: «أنا كده»، وكأن صفاته وسلوكياته حقائق ثابتة لا تاريخ لها. وفي المؤسسة قد نسمع: «إحنا متعودين نعمل كده»، «النظام ده موجود من سنين»، «جربنا التغيير قبل كده وما نفعش»، أو «ما دام الأمور ماشية، ليه نغير؟». تبدو هذه الجمل منطقية، لكنها تخفي افتراضًا خطيرًا: أن استمرار الشيء دليل على صلاحيته.
وهنا تظهر إحدى أهم أفكار التغيير: الاستمرار ليس دليلًا على النجاح، كما أن الاعتياد ليس دليلًا على الصحة.
قد يستمر إجراء إداري لسنوات لأنه أصبح جزءًا من النظام، لا لأنه أفضل طريقة للعمل. وقد يتعايش الموظفون مع التعقيد والبطء وكثرة الموافقات إلى درجة أنهم يتوقفون عن رؤيتها كمشكلة أصلًا. وعندما يأتي شخص ليقترح طريقة مختلفة، يصبح هو «المشكلة» لأنه يهدد الوضع المألوف.
أخطر ما في الثقافة المؤسسية ليس ما يرفضه الناس، بل ما توقفوا عن التساؤل عنه.
عندما يصبح اجتماع طويل بلا قرارات أمرًا طبيعيًا، أو عندما تصبح الموافقات المتعددة جزءًا لا يناقش، أو عندما يتحول تأجيل القرار إلى «حرص إداري»، فإن المؤسسة قد تكون قد طورت قدرة مذهلة على التكيف مع الخلل بدلًا من إصلاحه.
في المؤسسة قد تسمع: «خلينا في المضمون»، «دي إجراءات الإدارة»، «اعمل اللي مكتوب وخلاص»، «استنى لما المدير يوافق»، «إحنا مؤسسة حكومية، مش شركة خاصة»، «ده مش اختصاصنا»، «خلينا نعمل لجنة تدرس الموضوع»، «بلاش نستعجل، الموضوع محتاج وقت»، أو «إحنا عملنا كده قبل كده».
كل جملة من هذه الجمل قد تكون منطقية بمفردها، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الجمل إلى ثقافة تمنع السؤال.
ولهذا فإن السؤال الأهم في إدارة التغيير ليس فقط: «ما الذي نريد تغييره؟»، وإنما: «ما الذي اعتدنا عليه حتى نسينا أن من حقنا تغييره؟»
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية في التغيير: المقاومة.
غالبًا ما يتم التعامل مع مقاومة التغيير باعتبارها مشكلة يجب التخلص منها: الموظف مقاوم، إذن علينا إقناعه. لكن ماذا لو كانت المقاومة أحيانًا لا تقول «لا أريد التغيير»، وإنما تقول «أنا لا أثق فيما سيحدث بعد التغيير»؟
شخص يرفض نظامًا جديدًا ربما لا يرفض التكنولوجيا نفسها، وإنما يخشى فقدان السيطرة أو المكانة أو الأمان. وفريق يعارض إعادة الهيكلة ربما لا يكون «ضد التطوير»، وإنما لديه ذاكرة مؤسسية عن تغييرات سابقة انتهت بالفشل. ومدير يصر على الإجراءات القديمة قد يكون قد تعلم عبر سنوات أن الخطأ يعاقب، بينما لا يحصل الابتكار على مكافأة.
🛑 لذلك فإن التعامل الذكي مع المقاومة يبدأ من سؤال مختلف: «ماذا تحاول هذه المقاومة أن تحمي؟»
هذا السؤال لا يعني قبول المقاومة أو الاستسلام لها، لكنه يحولها من عدو إلى معلومة. فالمقاومة أحيانًا تكشف فجوة في الثقة، أو ضعفًا في التواصل، أو تجربة سابقة مؤلمة، أو تهديدًا حقيقيًا لمصالح فئة معينة.
من يريد تغيير السلوك دون فهم السبب الذي أنتج السلوك، يشبه من يريد تغيير النتيجة مع الإبقاء على المعادلة نفسها.
وهناك مشكلة أكثر تعقيدًا: التكيف قد يبدو نجاحًا بينما هو في الحقيقة استمرار للمشكلة.
المؤسسة التي تعتاد نقص الموارد قد تصبح بارعة في العمل رغم النقص، لكنها قد تتوقف عن السؤال: لماذا لدينا هذا النقص أصلًا؟ والفريق الذي اعتاد العمل لساعات إضافية قد يعتبر الإرهاق دليلًا على الالتزام، بدلًا من أن يسأل إن كان تصميم العمل نفسه معيبًا. والموظف الذي يجد حلولًا يدوية لمشكلة في النظام قد يصبح «شاطرًا» في التعامل معها، بينما تظل المشكلة الأصلية دون علاج.
هناك فرق هائل بين أن تصبح جيدًا في التعامل مع المشكلة، وأن تصبح جيدًا في حلها.
بعض المؤسسات لا تفشل لأنها عاجزة، بل لأنها أصبحت ماهرة جدًا في تعويض عيوب نظامها. وكلما زادت مهارة الناس في إنقاذ النظام القديم، قل الضغط لتغييره.
أما على المستوى الشخصي، فإن الفكرة تصبح أكثر عمقًا. كثير من الناس يتعاملون مع شخصيتهم باعتبارها شيئًا ثابتًا: «أنا عصبي»، «أنا لا أثق في أحد»، «أنا لا أحب المخاطرة»، «أنا لازم أسيطر على كل حاجة». لكن السؤال الأكثر فائدة ليس «ما صفتي؟» وإنما: «كيف أصبحت هذه الصفة جزءًا مني؟»
أحيانًا يكون السلوك الذي يعيقنا اليوم قد كان في مرحلة سابقة وسيلة للحماية أو التكيف. المشكلة ليست في أن الإنسان امتلك هذا السلوك يومًا، وإنما في أنه قد يستمر في استخدامه بعد أن تتغير الظروف.
🛑 ما ساعدك على البقاء في مرحلة من حياتك ليس بالضرورة ما سيساعدك على النمو في المرحلة التالية.
الحذر قد يحميك، لكنه إذا تحول إلى خوف دائم يمنعك. السيطرة قد تمنحك شعورًا بالأمان، لكنها إذا أصبحت أسلوبك الوحيد في التعامل مع الآخرين قد تفسد علاقاتك. الصمت قد يكون حكمة في موقف، لكنه إذا أصبح طريقة دائمة لتجنب المواجهة قد يمنعك من الدفاع عن حقوقك.
والأمر نفسه يحدث داخل المؤسسات. ما كان مناسبًا عندما كانت المؤسسة صغيرة قد يصبح عبئًا عندما تكبر. وما كان ضروريًا في مرحلة الأزمات قد يتحول إلى بيروقراطية عندما تنتهي الأزمة. وما كان يحمي المؤسسة من المخاطر قد يصبح لاحقًا سببًا في قتل السرعة والابتكار
📌التغيير الحقيقي لا يعني أن الماضي كان خطأ؛ يعني أن بعض الحلول التي كانت صحيحة بالأمس قد لا تكون صحيحة للغد.
🔔ومن هنا تصبح الثقافة المؤسسية واحدة من أهم ساحات التغيير. الثقافة ليست ما تكتبه المؤسسة على الحائط، وإنما ما تكافئه، وما تتسامح معه، وما تعاقب عليه، وما تعتبره «طبيعيًا».
إذا كانت المؤسسة تقول إنها تريد الابتكار لكنها تعاقب كل محاولة فاشلة، فالرسالة الحقيقية ليست «ابتكر»، وإنما «لا تخاطر». وإذا كانت تقول إنها تريد سرعة القرار بينما تحتاج كل خطوة إلى عشر موافقات، فالرسالة الفعلية هي «تجنب المسؤولية».
المؤسسة لا تعلّم موظفيها ثقافتها بالكلام؛ تعلّمهم إياها من خلال ما يحدث لمن يلتزم بها وما يحدث لمن يخالفها.
ولهذا فإن تغيير الثقافة لا يبدأ دائمًا بإطلاق قيم جديدة، بل أحيانًا يبدأ بكشف التناقض بين ما نقوله وما نفعله. لأن الموظفين لا يتعلمون الثقافة من الشعارات بقدر ما يتعلمونها من النتائج التي يرونها أمامهم.
وفي النهاية، ربما تكون أقوى فكرة يمكن أخذها من «خرافة العادي» إلى عالم التغيير هي أن العادي ليس بالضرورة صحيًا، والمألوف ليس بالضرورة فعالًا، والمستمر ليس بالضرورة ناجحًا.
📌 التغيير يبدأ عندما نمتلك الشجاعة لنسأل عن الأشياء التي أصبحت غير مرئية بسبب الاعتياد.
على المستوى الشخصي، اسأل: «ما السلوك الذي أعتبره جزءًا من شخصيتي، بينما هو في الحقيقة مجرد استجابة تعلمتها؟»
🛑 وعلى المستوى المؤسسي، اسأل: «ما الإجراء الذي ندافع عنه لأنه موجود منذ سنوات، لا لأنه ما زال يضيف قيمة؟»
واسأل أيضًا السؤال الأصعب: «ما المشكلة التي أصبحنا جيدين جدًا في التعايش معها لدرجة أننا توقفنا عن محاولة حلها؟»
فربما لا يكون أكبر عائق أمام التغيير هو رفض الناس للجديد، وإنما تعلقهم بما أصبح مألوفًا إلى درجة أنهم لم يعودوا يرونه اختيارًا من الأساس.
وهنا تكمن المفارقة:
لكي تصنع «الوضع الطبيعي الجديد»، عليك أولًا أن تكتشف كم جزءًا من «الوضع الطبيعي القديم» لم يكن طبيعيًا أصلًا.
#القيادة
#التدريب