06/08/2026
أرضٌ تَسَعُ الدُنيا《 من الخرطوم إلى القضارف.. رحلةٌ في شرايين الذهب الأخضر 》
م. محمد صلاح
حينما تأذن السماء للسودان بأن يرتدي حُلته الخضراء، لا تصبح الرحلة انتقال بين مدينتين، بل تمتد الي غوص عميق في شرايين الحياة. انطلقنا من الخرطوم، ومعي صديقي الذي عاد إلى السودان بعد سنوات طويلة من الغربة، لنترافق في هذه الرحلة الاستثنائية التي تفتح الأعين والقلوب، حيث تودع العاصمة غبار الصيف وتتنفس الدعاش تلك الرائحة الساحرة لقطرات المطر الأولى حين تعانق التراب الظمآن. التفت إليّ صديقي وهو يملأ صدره من ذلك الهواء النقي ويقول باندهاش بالغ: "أليست هذه المناظر أجمل وأطهر من سحر الريف الأوروبي، وجزر المالديف، وشواطئ الكاريبي؟!".
تركنا زحام العاصمة خلفنا، لتبدأ سيمفونية الخريف في عزف ألحانها على امتداد الطريق.
تلك الحكاية الخريفية التي تتناسل فيها الخضرة وتمتد وكأنها بساط من سندس، مرورا بقلب الجزيرة الوادع وقراها التي تغفو على نغمات السواقي وتصحو على وجوه طاهرة لوّحتها الشمس وأشرقت بها قلوب أصفى من ماء الغمام. هناك، تدرك أن خصوبة الأرض هي انعكاس لخصوبة نفوس أناس جبلوا على الكرم الفطري، حيث التقسيم بالعدل في لقمة العيش، والابواب المشرعة بلا موعد، واليد التي تمتد بالعون قبل السؤال.
وما إن توغلت بعيدا أنا وصديقي نحو ولاية القضارف وحواريها الفسيحة، حتى تجلى العجب العجاب، سهول ممتدة لا يحدها بصر، تكتسي بمخمل أخضر من سنابل الذرة وحقول السمسم، وتجوبها قطعان الثروة الحيوانية التي ترعى في طمأنينة وكأنها تدير سيمفونية اكتفاء ذاتي فريدة. هذه الأرض المعطاءة، برحابتها وخصوبتها، ومساحاتها الزراعية،ماهي إلا قلب دافئ يتسع للجميع، تحتضن بكرمها الأسطوري كل من لجأ إليها هاربا من قسوة الخارج، فآوتهم وأطعمتهم من خيراتها كأنهم أهل دار ووطن.
ولكن، وسط هذا الجمال الطاغي وفي حضرة ذلك الإنسان السوداني البسيط الذي يكافح بعرق جبينه من الفجر حتى المجرى، أتساءل بألم، كيف لشعب يعيش فوق ذهب تذروه الرياح وتحت أرض تخفي في جوفها ثروات ومعادن لا تقدر بثمن، ومياه تكفي لإرواء قارة، أن يستمر في معركة الكفاح اليومي من أجل أبسط مقومات العيش؟ إننا نمشي بأقدامنا الحافية أحيانا فوق إمبراطورية اقتصادية متكاملة، ونملك ما لو استثمر بالإرادة والوعي لجعل هذا الوطن في مصاف الأمم العظمى. ووحدها الأيام ووعي أبنائها كفيلان بالإجابة حين يدرك السودانيون حقا حجم الكنز العظيم الذي ينام بين أيديهم.
والسؤال الذي ينتظر إجابة
في نهاية هذه الرحلة، وتحت سماء القضارف الملبدة بغيوم الخير، لم يكن يتردد في ذهني سوى تساؤل واحد، أطرحه على نفسي وعلى كل من يتنفس هواء هذا البلد،
في ظل كل هذه الثروات، والمعادن، والمياه، والسهول الخصبة الممتدة... هل يعي السودانيون حقا ما يملكون من خيرات في هذه البلاد؟
متى ندرك أننا لا نعيش في بلد فقير، بل في إمبراطورية من النعم تنتظر فقط من يوقظها بالحب، والإرادة، والعمل المشترك؟ إن هذه الأرض الخيرة تبتسم لنا كل خريف، لعلنا نبتسم لها يوما برد الجميل.