20/06/2026
إن خلفية هذه الصورة المروعة التي تنبض بالألم والدماء تعري بوضوح ما تؤول إليه الأفكار حين تنحرف عن مسارها الفطري، وتكشف بجلاء عن الثمن الباهظ لتفكيك الروابط الأسرية وسحق القيم التي تحمي الضعفاء، فالأمر لا يتوقف عند مجرد تشريعات وقوانين جافة، بل يتعداه إلى صياغة مصير مجتمعات بأكملها.
🚫 وحين يتساءل البعض عن سر اهتمام محامٍ متخصص في قطاع الأعمال والقضايا الاستثمارية بقوانين الأسرة، فإن أول الأسباب والدوافع وأعمقها هو أنه لا يسعدني أبداً، ولا يرضيني، أن أحقق النجاح في عملي ومسيرتي المهنية بينما أعيش أنا، أو أولادي وذريتي من بعدي، في مجتمع منهار أخلاقياً ومفكك أسرياً، فخوفي على مجتمعي، وحرصي البالغ على سلامتي النفسية واستقراري الاجتماعي، وحفظ ديني ودين ذريتي في المستقبل، هو المحرك الأساسي الذي يدفعني للكتابة والتوعية، إذ لا قيمة لأي نجاح مادي أو استثماري إن غرق المحيط الذي نعيش فيه في مستنقع الضياع والتفكك.
⬅️ ومن أراد اليوم أن يتأكد من صحة كلامي ويقف على صدق تنبؤاتي للمستقبل، فما عليه إلا أن يرصد الواقع المحيط بنا بعين فاحصة وعميقة، ويتأمل على سبيل المثال حال فتيات تطبيق "تيك توك" اللاتي يتم القبض عليهن بين الحين والآخر بواسطة وزارة الداخلية بسبب التجاوزات والانحرافات الأخلاقية، حيث سيجد الباحث في خلفياتهن بوضوح تام أنهن ضحايا حالات الشقاق والطلاق، وبنات ولدن ونشأن في أحضان أسر مفككة غابت عنها الرعاية والرقابة والتوجيه السليم، مما يثبت علمياً وتربوياً أن انهيار الأسرة هو المنبع الأول لكل أشكال الانحراف والجرائم المجتمعية التي نشهدها اليوم.
✡️ أيها السادة إننا أمام حقيقة عارية لما يسمى بمشاريع تحرر المرأة في سياقها التغريبي، حيث تحول المفهوم من السعي البناء لتمكين المرأة وصون كرامتها التي كفلها الإسلام، إلى محاولات مستمرة للوصول إليها واستباحة خصوصيتها وتجريدها من حصانتها الفطرية، مما قاد تدريجياً نحو صناعة مجتمعات مشوهة تغيب فيها الأمومة الحانية وتكثر فيها مآسي اللقطاء مجهولي النسب. هذا المسار الذي يظنه البعض طريقاً نحو الحداثة والتقدم ليس في جوهره إلا ارتداداً عنيفاً ونكوصاً لظلمات العصور الجاهلية التي كانت تسلب الإنسان إنسانيته، وتعود بالبشرية إلى مربع "وأد الأجنة" والتخلص من الأنفس البريئة دون رادع من ضمير أو وازع من دين، ليكون الضحية دائماً هو الكائن الأضعف الذي يُلقى به في زوايا الإهمال والموت.
👈 وإذا أردنا تشخيص الداء من جذوره علمياً واجتماعياً، فإننا نجد أن النتيجة الحتمية للتغريب الأعمى متمثلة بالكامل في المجتمعات الغربية نفسها، والتي كانت أسبق في المضي في هذا الطريق الوعر وتبني التشريعات التي نادت بمساواة مطلقة تفتقر للعدالة وتتجاهل التمايز الفطري بين الجنسين. لقد أدت تلك السياسات والتشريعات الغربية إلى تقويض مفهوم الذكورية الإيجابية المسؤولة، وإلغاء الدور الأبوي تماماً، هذا الدور الذي يمثل في الحقيقة صمام الأمان والركيزة الأساسية التي تدير دفة الأسرة بناءً وهدماً وحماية، وحين يغيب الأب القوام الحامي، وتتحول الأسرة إلى مجرد شراكة مادية جافة يسهل التخلي عنها، تنفرط المنظومة الأخلاقية وتصبح هذه المشاهد المأساوية المليئة بالدماء والإهمال حدثاً مألوفاً ويومياً.
✈️ ومن أراد أن يرى الحصاد المر لتلك القوانين والتشريعات الغربية المعاصرة على أرض الواقع، فما عليه إلا أن يعيش في الغرب لعام واحد، وهي التجربة الذاتية التي مررت بها وشهدت فصولها وتفاصيلها المظلمة وعاينت تكرار هذه المآسي الإنسانية هناك بانتظام، حيث تباع الأوهام في بريق المدن بينما تموت الفطرة خلف الجدران المغلقة. إن هذه المعايشة الواقعية هي التي تولد هذا الإصرار والاندفاع للدفاع عن قوانين الأسرة في بلادنا، فلا يوجد أدنى استعداد لدى أي عاقل غيور لمجرد الانتظار أو الصمت حتى تتسرب هذه الكوارث الأخلاقية والاجتماعية إلى مجتمعاتنا الإسلامية والعربية تحت مسميات براقة وتعديلات قانونية ملتوية تؤدي بنا إلى نفس المصير المظلم.
🛎 إن التوعية القانونية والتربوية تصبح فرض عين على كل صاحب قلم وفكر وموقف، لحماية الأسرة من أن تتحول إلى ساحة للتنازع بدلاً من أن تكون سكناً ومودة، ولتذكير الأجيال بأن الحفاظ على ترابط الأسرة وصيانة الأنساب وحفظ الحقوق والواجبات المتبادلة بين الرجل والمرأة ليس تقييداً للحريات بل هو الضمانة الوحيدة لاستمرار الحياة الإنسانية بشكل كريم وآمن. إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى الالتفاف حول قيمنا وتشريعاتنا المستمدة من الشريعة الإسلامية الغراء، والوقوف سداً منيعاً ضد كل المحاولات التي تهدف لتفكيك الأسرة، لكي لا نصل إلى اليوم الذي تبكي فيه مجتمعاتنا دماً على أطلال جيل فُقدت هويته وضاعت إنسانيته في غيابات التغريب والضياع.
تحياتي
كتابة / أحمد فهيم - المحام بالنقض
نشر وتنسيق أ/حسناء مخلوف سكرتيرة المكتب