31/10/2025
الفاشر… المدينة التي تُركت للانتقام: كيف تمكّن الجيش السوداني من الانسحاب رغم الحصار؟
بقلم مركز المدى للدراسات الفكرية والاستراتيجية
في أواخر أكتوبر 2025، انسحب الجيش السوداني من مدينة الفاشر – عاصمة شمال دارفور – بعد أكثر من ثمانية عشر شهراً من الحصار الذي فرضته قوات الدعم السريع (RSF).
المدينة التي صمدت طويلاً تحوّلت بعد ساعات من الانسحاب إلى ميدان انتقام دموي، إذ وثّقت هيومن رايتس ووتش (30 أكتوبر 2025) والجزيرة نت (29 أكتوبر) عمليات قتل ونهب واغتصاب بحق المدنيين. وبينما برّر قائد الجيش عبد الفتاح البرهان الانسحاب بأنه جاء “لمنع التدمير المنهجي وقتل المدنيين”، تحوّل القرار إلى مأساة إنسانية مفتوحة، لتبقى الأسئلة: كيف خرج الجيش من مدينة محاصرة؟ ولماذا تُركت الفاشر للانتقام؟
منذ ربيع 2024، فرضت قوات الدعم السريع طوقاً خانقاً على المدينة، قطع الإمدادات ومنع دخول المساعدات. ووفق هيومن رايتس ووتش، كانت الفاشر “كارثة صامتة”، حيث أكدت أطباء بلا حدود أن 75% من الأطفال كانوا يعانون من سوء تغذية حاد. صمود الجيش بدعم الأهالي استنزف الطرفين معاً، ومع منتصف أكتوبر 2025 بدأت ملامح الانهيار تقترب، بعد أن استنفدت القوات مخزونها العسكري والغذائي، وأصبحت خطوط الإمداد شبه معدومة.
تحت هذا الضغط، اتخذت القيادة العسكرية قرار الانسحاب في 26 أكتوبر، وفق وكالة الأناضول ورويترز، مبرّرة ذلك بالرغبة في تجنّب معركة حضرية داخل الأحياء المكتظة. غير أن الغارديان (31 أكتوبر) أشارت إلى أن الخطوة جاءت بعد تفاهمات غير معلنة بين الطرفين بوساطة محلية في جوبا وأديس أبابا، سمحت بخروج آمن للجيش مقابل وقف الاشتباك أثناء الانسحاب. بهذا المعنى، تحوّل القرار من “محاولة لإنقاذ مدينة” إلى “صفقة اضطرارية” أنقذت الجنود وخلّفت المدنيين وراءهم.
تمّ الانسحاب بهدوء وعلى مراحل. بدأ الجيش بتقليص انتشاره داخل المدينة ونقل قياداته ليلاً عبر طريق كتم–كبكابية بممر مؤقت مؤمَّن بوساطة محلية. تُرك العتاد الثقيل والمركبات العسكرية لتسريع الحركة وتفادي كشف الخطة، فيما بقيت مجموعات محلية موالية للجيش لتغطية آثار الخروج وإرباك قوات الدعم السريع.
لكن ما أراده الجيش “حمايةً للمدنيين” تحوّل إلى مجزرة انتقامية. فخلال ساعات من السيطرة، نفذت قوات الدعم السريع إعدامات ميدانية وعمليات نهب واغتصاب، خاصة في أحياء الفور والزغاوة. وبينما انسحب الجيش محافظاً على قوّته البشرية، ترك خلفه مخازن السلاح والمركبات الثقيلة التي عززت قبضة خصمه على الإقليم.
المدينة انهارت سريعاً، وغابت عنها المؤسسات المدنية والإنسانية، لتغدو رمزاً لفوضى السلاح وانعدام الحماية.
في الجانب الإنساني، لم يُفتح أي ممر إغاثي رغم النداءات الدولية. أعلن برنامج الغذاء العالمي (WFP) أنه فقد القدرة على الوصول إلى الفاشر منذ أغسطس، ووصفتها الأمم المتحدة (OCHA) بأنها “منطقة مغلقة إنسانياً”. رفض الجيش تسليم الإشراف الإغاثي، واعتبرت قوات الدعم السريع القوافل تهديداً أمنياً، فدُفن عشرات الآلاف بين الجوع والخوف.
وهكذا، تحوّل الحصار إلى أداة حرب، والإنقاذ المزعوم إلى كارثة صامتة لا شهود لها.
في المحصلة، مثّل الانسحاب من الفاشر انتصاراً عسكرياً مؤقتاً وهزيمة أخلاقية طويلة المدى.
الجيش نجا بجنوده وترك المدينة للانتقام، بينما حققت قوات الدعم السريع نصراً على الخراب لا على الخصم.
وهكذا أصبحت الفاشر عنواناً لانكسار الدولة السودانية أمام منطق القوة، ولانهيار الضمير الإنساني أمام صفقات البقاء.
إنها ليست مجرد مدينة سقطت، بل مرآة تعكس كيف تُدار الحروب حين يُغتال الإنسان باسم النجاة.
⸻
صادر عن مركز المدى للدراسات الفكرية والاستراتيجية
31 أكتوبر 2025