25/08/2026
العراق لا يواجه أزمة عابرة… بل أزمة بوصلة
"أستاذ، ليش ما تكتب عن مضيق هرمز؟"
"أستاذ، الدولار راح يتغير لو لا؟"
"أستاذ، الاصفارة راح تنشال لو بعد؟"
"أستاذ، أكو طرق بديلة لتصدير النفط؟ وهل ممكن نصدر عن طريق الأردن أو سوريا؟"
هذه الأسئلة، وغيرها الكثير، وصلتني على مدار الأشهر القليلة الماضية حول مستقبل الاقتصاد العراقي. وخلال هذه الفترة تعمدت الابتعاد إلى حد كبير عن التحليل اليومي أو إبداء الرأي، لسبب أعتقد أن علينا جميعاً أن ندركه:
نحن اليوم في مرحلة تجنب الانهيار، ولسنا في مرحلة إعادة البناء.
من يتابع ما أكتبه منذ سنوات طويلة يعرف أن تركيزي لم يكن يوماً منصباً على معالجة أزمة آنية أو تفسير حركة يوم أو شهر، بل على فكرة واحدة أساسية: البناء الاستراتيجي طويل الأمد.
على مدى أكثر من اثني عشر عاماً، تحدثنا باستمرار عن الرؤى، والاستراتيجيات، والخطط، والتقييم، والأتمتة، والبيانات الدقيقة، والمحاسبة، وضرورة بناء منظومة قادرة على جمع البيانات من مختلف المصادر، وتحليلها، ثم تحويلها إلى أهداف رقمية واضحة تحدد أين يجب أن يكون العراق بعد خمس أو عشر أو عشرين سنة.
ولسنوات طويلة كان البعض ينظر إلى هذه الأفكار باعتبارها تنظيراً أو نوعاً من التجميل الإعلامي لأفكار يصعب تطبيقها.
لكن المشكلة التي نواجهها اليوم تثبت أن غياب هذه المنظومة لم يكن تفصيلاً إدارياً، بل كان جوهر الأزمة.
ما نمر به اليوم ليس سببه فقط ضعف الإدارات الحكومية السابقة، ولا مضيق هرمز، ولا توقف صادرات النفط، ولا أي أزمة خارجية منفردة.
المشكلة الحقيقية هي ضياع بوصلة الأهداف.
وأتحدى أي مسؤول حكومي أو نيابي، أو أي مسؤول في مفصل أساسي من مفاصل الدولة، أن يقدم إجابة واضحة عن الأسئلة التالية:
ما حجم الناتج المحلي الإجمالي الذي كان العراق يستهدف الوصول إليه خلال السنوات العشر الماضية؟
ما الحصص المستهدفة للقطاعات الصناعية والزراعية والخدمية وغير النفطية من الناتج المحلي؟
ما نسبة البطالة التي كان يفترض الوصول إليها؟
ما معدلات التضخم المستهدفة؟
وما المؤشرات التي كانت الحكومات تُحاسب على أساس تحقيقها أو الإخفاق فيها؟
الدول لا تبنى بعدد براميل النفط التي تصدرها، ولا بحجم الأموال التي تدخل خزائنها، ولا بقيمة ما تستورده من الخارج.
الدول تُبنى عندما تتفق المنظومة السياسية، رغم اختلافاتها، على مجموعة من الأهداف الوطنية الكبرى التي لا تتغير بتغير الحكومات.
نحتاج إلى نظام تخطيط استراتيجي حقيقي، بأهداف رقمية واضحة، وجداول زمنية محددة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، ومراجعة دورية، ومحاسبة حقيقية لكل من يفشل في تنفيذ ما التزم به.
أما ما وصلنا إليه اليوم، وما قد نواجهه خلال الأيام والأشهر المقبلة، فلا يمكن اختزاله بحرب أو أزمة إقليمية أو تعطل طريق لتصدير النفط.
إنه حصيلة أكثر من عشرين عاماً من غياب التخطيط وسوء إدارة الموارد.
خلال هذه الفترة تجاوزت إيرادات العراق 1.4 تريليون دولار، وصدّر أكثر من 20 مليار برميل من النفط.
أرقام ضخمة ربما لم تكن غالبية دول العالم تحلم بالحصول على جزء منها.
لكن المشكلة لم تكن يوماً في حجم الموارد.
المشكلة كانت في كيفية إدارتها.
جزء كبير من هذه الفرصة التاريخية ضاع بين الفساد، وسوء التخطيط، وغياب التقييم، وتغير الخطط بتغير الحكومات، وضعف منظومة المحاسبة.
لهذا، عندما يسألني أحد اليوم:
ماذا سيحدث للدولار؟
هل ستُفتح طرق بديلة للنفط؟
ماذا سيحدث إذا أُغلق مضيق هرمز؟
أعتقد أن السؤال الأهم الذي يجب أن يسبق كل ذلك هو:
أين نريد أن يكون العراق بعد عشر سنوات؟
لأن الدولة التي تمتلك إجابة واضحة عن هذا السؤال تستطيع التعامل مع مضيق يُغلق، أو سعر نفط ينخفض، أو أزمة سياسية تمر.
أما الدولة التي لا تعرف إلى أين تريد الوصول، فكل أزمة تتحول فيها إلى تهديد وجودي جديد.
لا أود أن أكون متشائماً، ونتمنى أن يخرج العراق من أزماته الحالية والقادمة حفاظاً على أهله وناسه وأطفاله.
لكن الحقيقة التي يجب ألا نهرب منها هي أن ما تراكم خلال أكثر من عشرين عاماً أصبح بالغ الصعوبة في الإصلاح، وأن الوقت الذي ضاع والفرص التي أُهدرت لا يمكن استعادتها بسهولة.
ومع ذلك، فإن بداية أي إصلاح حقيقي لا تكون بانتظار ارتفاع أسعار النفط أو انتهاء أزمة إقليمية.
بل بإعادة البوصلة إلى مكانها: هدف واضح، خطة واضحة، أرقام واضحة، ومحاسبة لا تستثني أحداً.
والله المستعان.