18/08/2026
إدارة المواقع السياحية الأردنية بين الأهداف والاجراءات
بقلم*هاني الفلاحات
اليوم أجد انه بات لزاماً علينا أن نطرح بكل جرأه فكرة تتجاوز مجرد نقد إجراءات الدخول إلى المواقع السياحية، فهي تمس فلسفة إدارة المواقع السياحية نفسها: هل الهدف الإستراتيجي هو إدارة خدمة الزوار أم إدارة الموظفين؟ وهل نقيس النجاح بعدد التعليمات والحواجز أم بجودة التجربة التي يعيشها الزائر؟
في هذا المقال التحليلي نُقدّم رسالة مهمة لكل من يتولى إدارة موقع سياحي في بلدنا، ففي كثير من المواقع السياحية حول العالم، لا يأتي الزائر ليختبر كفاءة الحراس أو ليقرأ عشرات التعليمات أو ليَمُر عبر سلسلة طويلة من البوابات ونقاط التفتيش، بل يأتي ليعيش تجربة فريدة مع المكان، وعلى هامشها مجتمعاً محلياً قَدَرَهُ أنه ابن تلك البقعة الجغرافية، وعندما تصبح الإجراءات هي أول ما يواجههم وآخر ما يغادر معهم في ذاكرتهم، فإن الإدارة تكون قد نجحت في إدارة النظام وفشلت في إدارة التجربة، وحينها تُصبح الإدارة مُشَوِّهاً للتجربة وليس مُيَسّراً لها.
إن أبسط قاعدة في السياحة تقول إن الزائر يجب أن يشعر بالترحيب لا بالاشتباه والتشكيك، وبالسهولة لا بالتعقيد، وبالثقة لا بالمراقبة المستمرة وكأنه يدخل قاعدةً عسكرية، فكل حاجز إضافي، وكل نقطة تفتيش جديدة، وكل تعليمات غير ضرورية، تقتطع جزءً من متعة الزيارة، حتى لو كانت مبررة إدارياً أو تنظيمياً
عملت لسنوات كجزء من منظومة إدارة البترا، كانت التجربة في الماضي أكثر سلاسة ويمكن وصفها بالبساطة وغياب التعقيد، عند مقارنة تجربة السياحة في البترا قبل عقود بما يحدث اليوم، نجد مفارقة لافتة، فالموقع كان أقل تجهيزاً، والتقنيات أقل تطوراً، والموارد المالية أقل، والإمكانات تكاد تكون غائبة، ومع ذلك كانت تجربة الزائر في كثير من الأحيان أكثر راحة وأقل توتراً وأكثر متعة، ولقد صادفت مراراً زواراً جاءوا للبترا أكثر من مرّه، واصبح لهم علاقات مع المجتمع المحلي ومقدمي الخدمات عموماً، وأجزم أن هذا كله قد اختفى ولم يعد موجوداً، والسبب ليس في نقص الأنظمة الحديثة، بل في أن الأنظمة كانت تخدم الزيارة، بينما أصبحت الزيارة توظف لتخدم الأنظمة والتعليمات، لقد انتقلت بعض المؤسسات من التفكير في "كيف نسَهّل للزائر" إلى التفكير في "كيف نضبط الزائر"، وبين الهدفين فرق هائل.
إن عقلية وهم الرقابة الكاملة والسيطرة لم تكن يوماً (في عالم السياحة) عقلية إدارية ناجحة، فهذه العقلية الإدارية تميل إلى الاعتقاد بأن زيادة الرقابة تعني زيادة النجاح، فيتم إضافة موظفين جدد، ونقاط مراقبة جديدة، وإجراءات جديدة، وتقارير جديدة، كلها إجراءات تربك الزائر والدليل والموظف ومُقدم الخدمة، وفي النهاية لا تتحسن التجربة السياحية بالضرورة مع زيادة هذه العناصر، بل على العكس تسيء لها، ولذلك يجب ألاّ نستغرب أن يكون 85% من زوار البترا ليوم واحد أو حتى بضع ساعات.
في علم الإدارة يوجد مفهوم معروف يسمى "التعقيد الإداري"؛ وهو الحالة التي تتحول فيها المؤسسة إلى التركيز على ابتكار إجراءات أكثر من تركيزها على تحقيق نتائج، عندها يصبح الهدف الضمني هو المحافظة على النظام الإداري نفسه، وليس تحسين الخدمة أو التجربة لأنها لم تكن أصلاً في الاعتبار.
فالزائر لا يقيس نجاح زيارته للموقع بعدد الموظفين الذين شاهدهم، أو أضطر للتعامل معهم، بل بسهولة دخوله للموقع، ووضوح المعلومات، وحرية حركته، وكمية الوقت الذي أمضاه مستمتعاً بالمكان.
مفهوم السياحة كما أفهمه ببساطة "المال مقابل الوقت"، ومن أهم المؤشرات التي يجب أن تراقبها أي إدارة سياحية لمقصد سياحي كالبترا هو مدة إقامة الزائر، فإذا كانت الإقامة تقصر عاماً بعد عام، فهذه رسالة ينبغي التوقف عندها، وهي مؤشر خطير يجب ألاّ يتم تجاهله والتفرغ فقط للإجراءات والتعقيد.
الزائر الذي يشعر بالراحة يميل إلى البقاء فترة أطول، وإنفاق أكثر، والعودة مرة أخرى، والتوصية بالموقع للآخرين، أما عندما تصبح الزيارة سلسلة من التعليمات والقيود والمضايقات الصغيرة، فإنه يختصر برنامجه ويغادر بأسرع وقت ممكن، وبدون أية مجاملات، هذا هو واقع البترا اليوم، وهنا فقط تظهر المفارقة العجيبة؛ فالإدارة قد تعتقد أنها تطبق أعلى معايير التنظيم، بينما تكون في الواقع تقلل من القيمة الاقتصادية والسياحية للموقع.
وعندما نقارن بعض المواقع التي تعتمد البساطة والمرونة، مثل التجربة التي اعتاد كثير من الزوار الإشادة بها في وادي رم، بمواقع أخرى تزداد فيها الإجراءات والتعقيدات، نلاحظ أن الزائر غالباً ينجذب إلى المكان الذي يمنحه شعوراً بالحرية والاستكشاف، فالناس يسافرون هرباً من التعقيدات اليومية، لا للتعامل مع تعقيدات جديدة في وجهتهم السياحية التي تعتبر هروب من الواقع بحثاً عن البساطة والمتعة في واقع آخر.
وتبقى النصيحة الأهمّ لكل مدير موقع سياحي، فقبل إضافة موظف جديد، اسأل نفسك: هل سيضيف قيمة مهمة للزائر وللزيارة؟، وقبل إنشاء نقطة تفتيش جديدة، اسأل أيضاً: هل سيشعر الزائر بأنها ضرورية؟، وقبل إصدار تعليمات جديدة، اسأل واستأنس برأي الخبراء: هل هذه التعليمات ستجعل التجربة أفضل أم أكثر تعقيداً؟
فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الحواجز التي وضعتها، بل بعدد الحواجز التي أزلتها، ولا بعدد العاملين الذين وظفتهم، بل بمقدار السهولة التي يشعر بها الزائر وأسباب الراحة، وللعلم فقط إن أفضل إدارة سياحية هي تلك التي تكاد لا يشعر الزائر بوجودها، لأنها تعمل في الخلفية بصمت، بينما يبقى المكان نفسه هو البطل الحقيقي في التجربة.
إن بساطة الإجراءات ليست ترفاً إدارياً، بل هي جزء أساسي من المنتج السياحي نفسه، وكلما اقتربت الإدارة من الثقة بالناس وتسهيل تجربتهم، اقتربت أكثر من تحقيق أهداف السياحة والتنمية والسمعة الإيجابية للموقع.