15/09/2026
*عبد اللطيف فاخوري… نبض بيروت الذي لا يخفت*
عبد الفتاح خطاب
في عالمٍ تتزاحم فيه الأحداث وتتبدل فيه معالم العواصم، يبرز رجالٌ وهبوا أعمارهم ليكونوا حراساً لذاكرة مدنهم وهويتها الحضارية. وفي مقدمة هؤلاء الأعلام يأتي المحامي والباحث والمؤرخ البيروتي عبد اللطيف فاخوري، الذي لم يكتفِ برصد التاريخ، بل عاشه ووثق حكايات ناسه، وأسواقه، ومؤسساته، ليكون بحق السجل الحي والنبض المتدفق لمدينة بيروت.
البدايات وتشكّل الوعي المقاصدي
في مدينةٍ تتنفس التاريخ من بين حجارة أسوارها القديمة، وتختزن الحارات أسماء من رحلوا ومن بقوا، وُلد عبد اللطيف مصطفى فاخوري في بيروت عام 1939. ولم يكن ميلاده مجرد تاريخ يُضاف إلى سجلات المدينة، بل كان بداية علاقة حيّة طويلة بين رجلٍ ومدينة، تحولت مع الزمن إلى مشروع ثقافي وإنساني لحفظ ذاكرة بيروت، وتوثيق ملامحها، واستعادة ما أمكن من حكايات أهلها وأحيائها وأسواقها ومؤسساتها.
نشأ عبد اللطيف فاخوري في رحاب المقاصد، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة عثمان ذي النورين عام 1952، ثم تابع دراسته في ثانوية علي بن أبي طالب حتى نال الشهادة الثانوية عام 1959. وفي تلك السنوات المبكرة ظهرت ميوله العلمية والفكرية، فحصل على جائزة العلوم والرياضيات عام 1956، وجائزة عيد العلم عام 1957 في القاهرة، وجائزة الفلسفة في المقاصد عام 1959، قبل أن يعود اسمه بعد عقود إلى سجل التكريم المقاصدي بنيله جائزة رواد المقاصد عام 2016.
بين العدالة والوثيقة: القانون في خدمة التراث
تابع دراسته الجامعية في الجامعة اللبنانية، وحصل على إجازة في الحقوق عام 1963، ليلتحق بممارسة المحاماة عام 1964. غير أن القانون في تجربته لم يكن مهنةً منفصلة عن اهتماماته الفكرية والثقافية؛ فقد ظل إلى جانب عمله المهني معنياً بالتاريخ والتراث والوثيقة، وبكل ما يتصل ببيروت وأهلها وذاكرتها الاجتماعية.
ومع مرور السنوات، اتسع نطاق حضوره العام؛ فكان عضواً مؤسساً لجمعية خدمة القرآن الكريم بالنشر والتعليم عام 1980، ثم عضواً مؤسساً وعضو مجلس أمناء جمعية بيروت التراث عام 1991. وفي عام 1993 شارك في تأسيس الهيئة الوطنية للأسرة اللبنانية، وكان عضواً في الهيئة التأسيسية لتجمع بيروت. كما كان عضواً مؤسساً وعضو الهيئة الإدارية لمؤسسة عمر الداعوق للثقافة والعلوم عام 1997، وعضواً في الهيئة الإدارية لحلقة الحوار الثقافي عام 2000، وفي الهيئة الإدارية لجمعية تداوي الفقراء مجاناً عام 2002، فضلاً عن عضويته النشطة في اتحاد الكتاب اللبنانيين.
المشروع المكتوب: توثيق ذاكرة العاصمة
لكن المجال الذي ترك فيه فاخوري بصمته الأوضح هو الكتابة والبحث في التراث والتاريخ البيروتي؛ فمنذ عام 1959، بدأ نشر القصص القصيرة في جريدة «السياسة»، ثم توالت أعماله بين التحقيق والتأليف والتقديم والدراسة، حتى أصبح نتاجه المكتوب سجلاً واسعاً لوجوه من بيروت وتاريخها وتراثها.
ومن أعماله المبكرة تحقيق وتقديم كتاب «كيف ينهض العرب» لعمر فاخوري عام 1981، وتحقيق ونشر رسائل عمر فاخوري في العام نفسه. ثم أصدر «الاستشراف في أنساب السادة الأشراف» عام 1987، و«أهل بدر» عام 1991، وقدم ديوان أمين اللادقي «شطحات» عام 1993، كما قدم كتاب «الكفاية لذوي العناية» للمفتي الشيخ عبد الباسط الفاخوري في العام نفسه. وفي عام 1996 صدر كتاب «بيروتنا: ما بقي من ذاكرة بيروت بعد الحرب الأهلية» بالاشتراك، وهو عنوان يلخص جانباً أساسياً من مشروعه في محاولة الإمساك بما تبقى من الذاكرة بعد أن عصفت الحرب بكثير من معالم المدينة.
وتواصل هذا المشروع في مؤلفات عدة، من بينها «حقوق الجوار في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية» عام 2002، و«منزول بيروت» عام 2003، وهو تحقيق موثق يتناول حدود بيروت القديمة وسورها وأبوابها وأبراجها وأسواقها وخاناتها وهندسة بيوتها. ثم جاء «ذكريات بيروتية» عام 2004 متضمناً ذكريات المرحوم مصطفى عبد اللطيف فاخوري، تلاه «رفيق بيروت: حكاية حب» عام 2005.
وفي مجال التاريخ والمؤسسات، صدر له «تاريخ القضاء الشرعي في بيروت 1787–1917م» عام 2006، و«محمد عبد الله بيهم، الصارخ المكتوم، ومناهج التعليم في بيروت في القرن التاسع عشر» عام 2008. ثم جاء «البيارتة: حكايات أمثالهم ووقائع أيامهم» عام 2009، و«ذاكرة أزهار وأشجار بيروت» عام 2012، و«نور الفجر الصادق» عام 2013 الذي تناول مؤسسي جمعية المقاصد والأوقاف التي ضمت إليها. وفي السنوات اللاحقة استمر مشروعه البحثي بصدور «زوايا بيروت التاريخية القديمة المكتشفة» عام 2018، ثم «بيروتيات» عن دار المقتبس عام 2024، و«أيام بيروتية: ما تعرضت له بيروت من اعتداءات وقرصنة وأوبئة وزلازل» في العام نفسه، إضافة إلى «أوراق بيروتية» الذي يجمع وثائق من تراث البيارتة في الشعر والفقه والوقف والمسرح، كما أن كتاب «رأس بيروت ومزرعة الحمرا» قيد الإصدار.
المجال العام: المنبرية والمشاركات البحثية
ولا تقتصر مسيرته على الكتب؛ فقد نشر مقالات عديدة في الفكر والاجتماع والقانون، وفي تاريخ بيروت وتراثها وفولكلورها، في صحف «النهار» و«اللواء» و«السفير» ومجلات «العرفان» و«الأفكار» و«الحداثة» في لبنان، ومجلة «المأثورات الشعبية» في قطر. كما أهدى الأثير برنامجاً إذاعياً بعنوان «بيروت في البال»، كان بمثابة نزهة صوتية تعيد أزقة الذاكرة إلى الوجدان. وشارك في العديد من المقابلات الإعلامية.
وإذا كانت الكتب قد حفظت جانباً من ذاكرة المدينة على الورق، فإن محاضراته جعلت هذه الذاكرة حاضرة في المجال العام؛ فقد حاضر عام 1993 عن «وحدة المسلمين والمسيحيين البيارتة: مواقف حضارية»، وعن «أسواق بيروت: تراث وأعراف». وفي السنوات التالية تناول لمحة تاريخية حول التعامل مع «الصم عام 1994»، «واقعات المفتين في بيروت» عام 1995، و«البيارتة: مواقف ومناقب» و«بيروت: التراث الشعبي» عام 1997، و«خطط بيروت: أسماء ومسميات» و«الجمعيات الأهلية في بيروت: من التراث إلى العولمة» و«البسطة التحتا: ذاكرة المكان» عام 1998.
كما تناول موضوعات ذات صلة بجذور المجتمع البيروتي، فحاضر عن «الأصول المغربية في العائلات البيروتية» عام 1999، و«مجاوزة الألف دون الألفين» عام 2000، و«مآثر من بيروت القديمة – الانسان والأرض» عام 2001، و«المأثورات المصرية في الموروثات البيروتية» (جامعة المنصورة، مصر) عام 2002، و«مدارس المقاصد» عام 2012. وفي عام 2014 قدّم محاضرات «فاس في عامها 206 بعد الألف، والمغاربة في بيروت»، و«المؤثرات التركية في التراث البيروتي»، و«بيروت... بيروت... وتلك الذكريات». فضلاً عن مشاركته في ندوات في عام 2016 تناولت شخصيات بارزة كالعلامة الشيخ عبد الرحمن الحوت والطبيب بشير القصار. وأمسية ثقافية تراثية بعنوان «وثائق بيروتية: حنين وعبر» في المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في عام 2019.
ولم يتوقف حضوره عند المحاضرات، بل شارك في مؤتمرات متخصصة؛ ببحث «الأغنية الشعبية في بيروت» (الأونيسكو 1999)، وببحث «المأثورات المصرية» (جامعة المنصورة، مصر 2002)، وببحث «الأعراف البدائية في الحكاية الشعبية» (الأونيسكو 2004)، وبحث تعليم الهندسة والعمارة في المشرق العربي أواخر العهد العثماني (نقابة المهندسين 2006).
صناعة الذاكرة الحية
تكشف هذه الأعمال المتنوعة لعبد اللطيف فاخوري عن اهتمام لا يقتصر على التاريخ السياسي أو العمراني للمدينة، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من الأمثال والحكايات الشعبية إلى الأشجار والأزهار، ومن الأسواق والأحياء إلى الأوقاف والتعليم والقضاء، ومن المؤسسات الأهلية إلى العادات والتقاليد. وهذه التفاصيل الصغيرة هي، في نهاية المطاف، ما يصنع الذاكرة الحية للمدن.
حصيلة غزيرة تنتظر النور: دعوة للمسؤولية والدعم
تكتمل هذه المسيرة بفيض من الأعمال المخطوطة والإنتاج الدفين الذي ينتظر النور ليغني المكتبة العربية، ويعكس شمولية مشروع الفاخوري بين الأدب والأنثروبولوجيا والإعلام؛ من بينها ديوان شعر وأناشيد وقصص قصيرة، ودراسة «بيروت في عيون الأدباء والشعراء والرحالة»، ودراسة عن غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان، و«الإسلام والملكية»، و«وقف جبانة السنطية»، و«أم الغيث: عروس المطر في الفلكلور العربي»، و«الجراد ذلك الضيف الثقيل»، ودراسة «الحكاية الشعبية العربية»، وبرنامج تلفزيوني معد بعنوان «رمضان في العالم الإسلامي»، و«الأجوبة الفاخورية على الأسئلة السكرية»، إضافة إلى «يوميات ثورة 1958»، و«صور من الميثولوجيا العربية»، ودراسة عن «مدرسة خالد والحوت»، ورواية بعنوان «25 شارع داود عمون»، و «بيروت في البال» 30 حلقة، إذاعة صوت الوطن.
ولعل اللافت في هذه الأعمال غير المنشورة أنها تؤكد أن مشروع الرجل لم يكن مشروعاً عابراً أو مرتبطاً بمرحلة زمنية معينة؛ فاهتمامه يمتد من التاريخ والوثيقة إلى الأدب والفولكلور والإذاعة والرواية، ومن تفاصيل المدينة إلى أسئلة الثقافة والمجتمع.
إن هذه الذخيرة المخطوطة ليست مجرد أوراق في أدراج صاحبها، بل هي كنز وثائقي وهوياتي يفرض على دور النشر، والمؤسسات الثقافية، والداعمين الشغوفين بالتراث، مسارعة الخطى وتبني تبويبها وطباعتها؛ فالدعم الحقيقي للذاكرة لا يكتمل إلا بتحويل هذه الأعمال غير المنشورة إلى واقعٍ ملموس تقرؤه الأجيال، كي لا تبقى جهود عقودٍ من التنقيب والبحث رهن الرفوف، بل تخرج إلى الضوء وتستكمل أداء رسالتها الحضارية.
حارس الحكاية وفاءً للمدينة
اليوم، وبعد عقود طويلة من العطاء بين المحاماة والبحث والعمل الثقافي، يظل عبد اللطيف فاخوري حارساً لروح بيروت، ورجلاً جعل من الوفاء لمدينته مشروع عمرٍ مستمر؛ فقد اختار أن يواجه النسيان بالوثيقة، والاندثار بالكتابة، والغياب باستعادة الحكاية، ليُعيد وصل ما انقطع بين بيروت الأمس وبيروت اليوم.
ولأن المدن لا تُحفظ بالحجارة والخرائط وحدها، بل بكتبها ووثائقها وسير أهلها، فإن تكريم فاخوري وهو بيننا ليس مجاملة ولا احتفالاً عابراً، بل هو واجب مستحق واعتراف حي بقيمة الذاكرة نفسها، وتأكيد على أن المدينة لا تزال تعرف أبناءها الأوفياء قبل أن تصير الحكاية رثاءً.
عبد اللطيف فاخوري ليس مجرد مؤرخ أو باحث، بل هو نبض بيروت الذي لا يخفت، وتبقى كلماته وصية مفتوحة لكل من يحب المدينة: «احفظوا الحكاية، لأن المدينة التي تفقد حكايتها... تفقد روحها».
* أيلول 2026