28/05/2026
منذ أشهر طويلة وأنا أرى الطائرات الحربية ومسيّرات الموت الإسرائيلية تضرب. مرةً يدوّي صدى الصاروخ في أذني، ومرةً أخرى تزنّ الطائرة فوق رأسي كمطرقة ثقيلة، وأحياناً تمرّ بلا صوت، فقط لتسحب من يومنا أي معنى للسلام.
عندما جاء الإنذار الأول لمخيم الرشيدية حيث أعيش، قلتُ لعلّه مجرد رسالة لتخويف سكان المخيم وضواحيه. ثم ظننتُ أنّه محاولة لترهيب الصحافيين، ليتبع ذلك اتصالات عشوائية بدت وكأنها جزء من حرب نفسية مفتوحة.
**لا أريد الرحيل**
لقد نزحتُ مرة خلال الحرب الماضية، ولم أستوعب أنني أعيش التهجير مجدداً، كأن النكبة الفلسطينية تُعاد بأشكال مختلفة. كانت كلمة “نازحة” أو “مهجّرة” أقسى عليّ من كلمة “لاجئة”.
كل إنذار كان يُوجّه لمدينة صور كان بمثابة سكين يطعن في قلبي، ليتوالى ذلك مع التحذيرات لمخيمات المدينة، ويُذكر مخيمي، مخيم الرشيدية، بالاسم في بيانات الإخلاء، وكأن الرسالة واضحة: لا وجود لفلسطيني من دون أذى، ولا حياة له من دون تهجير وعربدة احتلال.
“إذا استشهدتِ يا نسمة ما رح سامحك بحياتي”. هكذا قالت لي زميلتي وصديقتي الصحافية التي اتصلت بي من صيدا، طالبة مني المجيء مع عائلتي، لكنني أجبتها بأنّني لا أريد ترك بيتي والهروب. لا أريد أن أسمح لعربدة الاحتلال أن تنتصر. لا أريد أن أحمل حقيبتي الصغيرة، وأجمع أشيائي البسيطة، تاركةً حياتي وتفاصيلها خلف إنذار لعين، فقط لإرضاء تفوق آلة القتل الإسرائيلية التي تجاوز إجرامها كل حدود.
**لمن أرحل وأترك الجنوب؟**
من سيغطي أخبار أصدقائي وأهلي؟ لمن أترك توثيق دمار مدينة تشبه بسحرها مدينتي الفلسطينية عكا؟
أحاول مراراً الحفاظ على هدوئي، وأن أزرع الطمأنينة في قلوب أهلي، وأن أمنح أصدقائي وزملائي بعض المعنويات. لكن الخوف يسكن قلبي؛ ليس خوفاً من قذيفة قد تأخذ روحي، بل خوفٌ من خسارة أحد أفراد عائلتي، أو أصدقائي، أو زملائي. لقد خسرتُ صديقة شهيدة منذ فترة قصيرة، ولا أريد أن أعيش الفقد مرة أخرى.
رأيتُ النزوح بعينٍ تحاول أن تبقى صامدة رغم كل ما يعاكس الصمود والطمأنينة. منهم من غادر بملابس العيد، ومنهم من حمل فرشة فوق سيارته، وآخرون تكدّس أكثر من عشرة أفراد منهم داخل سيارة صغيرة، يجلسون فوق بعضهم البعض، هرباً من خوفٍ يلاحق صدورهم أينما ذهبوا.
ويبقى السؤال هنا: هل ستتوقف قريباً موجة الدم التي يصنعها كيان متعطش للقتل؟ أم أنني سألتحق برفاقي الصحافيين الذين دفعوا ثمن الكلمة والحق، فقط لأنهم رفضوا مغادرة أماكنهم رغم الإنذارات المتجددة؟
نص: نسمه العبدالله