24/07/2026
الأزمة ليست في القانون... بل في غياب الثقة
كيف تستعيد الدولة والمحاماة لغة الحوار قبل أن تتحول الأزمة إلى أزمة في العدالة؟
بقلم: الأستاذ عبد الغني هرماشي
محام بهيئة الدار البيضاء
دخلت أزمة مشروع قانون المحاماة أسبوعها السابع، ولم تعد مجرد خلاف حول بعض المقتضيات القانونية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة مؤسسات الدولة ومؤسسات المهنة على إدارة الاختلاف بالحوار، وإنتاج حلول تحافظ على هيبة الدولة واستقلال المحاماة في آن واحد.
فمع انتهاء المسار البرلماني وإحالة القانون إلى المحكمة الدستورية، انتقل النقاش من المجال التشريعي إلى المجال الدستوري. غير أن هذا التطور، على أهميته، لم يبدد حالة الاحتقان، ولم يفتح الباب أمام مبادرات مؤسساتية قادرة على إعادة بناء الثقة بين مختلف الأطراف.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي:
هل تكمن الأزمة في نص القانون، أم في غياب الثقة وآليات الحوار المؤسسي؟
في تقديري، إن جوهر الأزمة يتجاوز النصوص القانونية. فالتجارب الدستورية المقارنة تؤكد أن القوانين، مهما بلغت جودتها التقنية، قد تواجه صعوبات كبيرة إذا غاب الحوار الحقيقي حولها، كما أن القوانين التي تنشأ في مناخ من الثقة تكون أكثر استقراراً وقابلية للتطبيق.
لقد كشفت هذه الأزمة أن إصلاح العدالة لا يقتصر على تعديل النصوص، بل يبدأ ببناء الثقة بين الدولة وشركائها في منظومة العدالة، وفي مقدمتهم المحاماة.
وما يزيد المشهد تعقيداً أن الأزمة لم تعد ذات بعد قانوني فحسب، بل أصبحت أزمة اقتصادية واجتماعية تمس آلاف المحامين، خاصة أصحاب المكاتب الصغيرة والمتوسطة، الذين يواصلون تحمل مصاريف ثابتة لا تتوقف: كراء المكاتب، أجور المستخدمين، الماء، الكهرباء، الإنترنت، الاشتراكات المهنية والالتزامات الجبائية، في مقابل تراجع واضح في النشاط المهني.
وفي هذا السياق، تستحق المبادرات التي أطلقتها بعض هيئات المحامين لتقديم دعم مالي لزملائها كل التقدير، لأنها تعكس قيم التضامن والمسؤولية داخل المهنة. غير أنها، مهما بلغت أهميتها، تظل حلولاً ظرفية تخفف من آثار الأزمة، ولا تعالج أسبابها الحقيقية.
كما أن إحالة القانون على المحكمة الدستورية تفرض احترام المسار الدستوري، وترك المجال للمؤسسة المختصة لممارسة صلاحياتها وفق أحكام الدستور. وفي الوقت نفسه، فإن انتظار القرار الدستوري لا ينبغي أن يكون سبباً لتجميد الحوار، لأن المسار القضائي والمسار المؤسساتي يمكن أن يتكاملا دون تعارض.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع اليوم لم يعد:
من انتصر؟ ومن خسر؟
بل أصبح:
كيف نستعيد الثقة حتى تنتصر العدالة؟
فالمحاماة ليست خصماً للدولة، والدولة ليست خصماً للمحاماة. فكلاهما يؤدي وظيفة عامة تخدم المواطن، وكل توتر طويل بينهما ينعكس، بصورة أو بأخرى، على صورة العدالة وثقة المتقاضين في مؤسساتها.
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة الحالية تستوجب الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة الحل، وذلك عبر مبادرات عملية، من بينها:
فتح حوار مؤسساتي مسؤول بين مختلف الأطراف، يقوم على الاحترام المتبادل والإنصات.
احترام المسار الدستوري إلى حين صدور القرار بشأن القانون.
إحداث لجنة مشتركة لتتبع تنزيل القانون ورصد الإشكالات العملية التي قد تظهر أثناء التطبيق، واقتراح التعديلات اللازمة عند الاقتضاء.
تعزيز آليات التضامن المهني مع المحامين الأكثر تضرراً خلال هذه المرحلة.
إطلاق نقاش وطني حول مستقبل مهنة المحاماة ودورها في إصلاح منظومة العدالة.
غير أنني أعتقد أن الدرس الأهم الذي كشفت عنه هذه الأزمة يتجاوز مشروع القانون نفسه.
لقد أثبتت هذه المحطة أن المغرب أصبح في حاجة إلى آلية مؤسساتية دائمة للحوار بين وزارة العدل والمهن القضائية والقانونية، تكون مهمتها مناقشة مشاريع القوانين ذات الصلة بالعدالة منذ مراحلها الأولى، وإعداد دراسات مشتركة، واستشراف آثارها العملية، قبل وصولها إلى البرلمان.
فالحوار لا ينبغي أن يبدأ بعد اندلاع الأزمات، بل يجب أن يكون جزءاً من هندسة الإصلاح نفسها.
إن إحداث مثل هذه الآلية لن يخدم المحاماة وحدها، بل سيعزز جودة التشريع، ويقلل من منسوب الاحتقان، ويرسخ ثقافة التشاور، ويجسد المبادئ الدستورية القائمة على الديمقراطية التشاركية والحكامة الجيدة.
إن الدول التي نجحت في إصلاح منظوماتها القضائية لم تحقق ذلك بكثرة القوانين، وإنما بترسيخ مؤسسات للحوار الدائم، تجعل الاختلاف وسيلة لتطوير التشريع، لا سبباً لتعطيل الثقة.
واليوم، لا يحتاج المغرب إلى منتصر في هذه الأزمة بقدر ما يحتاج إلى مبادرة مؤسساتية شجاعة تعيد الجميع إلى طاولة الحوار، لأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على سن القوانين، وإنما أيضاً بقدرتها على بناء الثقة مع شركائها، كما أن قوة المحاماة لا تُقاس بطول الاحتجاج، وإنما بقدرتها على حماية رسالتها والمساهمة في تطوير العدالة.
لقد علمتنا هذه الأزمة أن النصوص يمكن تعديلها، وأن المواقف قد تتغير، لكن الثقة إذا تآكلت احتاجت إلى وقت وإرادة لإعادة بنائها.
ولهذا، فإن المسؤولية اليوم لا تقع على عاتق طرف واحد، بل هي مسؤولية مشتركة تقتضي تغليب الحكمة، وتقديم المصلحة العامة، وتحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإرساء نموذج جديد في تدبير الإصلاحات التشريعية الكبرى.
وعندما ينتصر الحوار... تنتصر العدالة. وعندما تنتصر العدالة... ينتصر الوطن.