الأستاذ عبد الغني هرماشي محامي بهيئة الدار البيضاء.

  • Home
  • Morocco
  • Casablanca
  • الأستاذ عبد الغني هرماشي محامي بهيئة الدار البيضاء.

الأستاذ عبد الغني هرماشي محامي بهيئة الدار البيضاء. avocat au barreau du Casablanca Maroc

24/07/2026

الأزمة ليست في القانون... بل في غياب الثقة
كيف تستعيد الدولة والمحاماة لغة الحوار قبل أن تتحول الأزمة إلى أزمة في العدالة؟
بقلم: الأستاذ عبد الغني هرماشي
محام بهيئة الدار البيضاء
دخلت أزمة مشروع قانون المحاماة أسبوعها السابع، ولم تعد مجرد خلاف حول بعض المقتضيات القانونية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة مؤسسات الدولة ومؤسسات المهنة على إدارة الاختلاف بالحوار، وإنتاج حلول تحافظ على هيبة الدولة واستقلال المحاماة في آن واحد.
فمع انتهاء المسار البرلماني وإحالة القانون إلى المحكمة الدستورية، انتقل النقاش من المجال التشريعي إلى المجال الدستوري. غير أن هذا التطور، على أهميته، لم يبدد حالة الاحتقان، ولم يفتح الباب أمام مبادرات مؤسساتية قادرة على إعادة بناء الثقة بين مختلف الأطراف.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي:
هل تكمن الأزمة في نص القانون، أم في غياب الثقة وآليات الحوار المؤسسي؟
في تقديري، إن جوهر الأزمة يتجاوز النصوص القانونية. فالتجارب الدستورية المقارنة تؤكد أن القوانين، مهما بلغت جودتها التقنية، قد تواجه صعوبات كبيرة إذا غاب الحوار الحقيقي حولها، كما أن القوانين التي تنشأ في مناخ من الثقة تكون أكثر استقراراً وقابلية للتطبيق.
لقد كشفت هذه الأزمة أن إصلاح العدالة لا يقتصر على تعديل النصوص، بل يبدأ ببناء الثقة بين الدولة وشركائها في منظومة العدالة، وفي مقدمتهم المحاماة.
وما يزيد المشهد تعقيداً أن الأزمة لم تعد ذات بعد قانوني فحسب، بل أصبحت أزمة اقتصادية واجتماعية تمس آلاف المحامين، خاصة أصحاب المكاتب الصغيرة والمتوسطة، الذين يواصلون تحمل مصاريف ثابتة لا تتوقف: كراء المكاتب، أجور المستخدمين، الماء، الكهرباء، الإنترنت، الاشتراكات المهنية والالتزامات الجبائية، في مقابل تراجع واضح في النشاط المهني.
وفي هذا السياق، تستحق المبادرات التي أطلقتها بعض هيئات المحامين لتقديم دعم مالي لزملائها كل التقدير، لأنها تعكس قيم التضامن والمسؤولية داخل المهنة. غير أنها، مهما بلغت أهميتها، تظل حلولاً ظرفية تخفف من آثار الأزمة، ولا تعالج أسبابها الحقيقية.
كما أن إحالة القانون على المحكمة الدستورية تفرض احترام المسار الدستوري، وترك المجال للمؤسسة المختصة لممارسة صلاحياتها وفق أحكام الدستور. وفي الوقت نفسه، فإن انتظار القرار الدستوري لا ينبغي أن يكون سبباً لتجميد الحوار، لأن المسار القضائي والمسار المؤسساتي يمكن أن يتكاملا دون تعارض.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع اليوم لم يعد:
من انتصر؟ ومن خسر؟
بل أصبح:
كيف نستعيد الثقة حتى تنتصر العدالة؟
فالمحاماة ليست خصماً للدولة، والدولة ليست خصماً للمحاماة. فكلاهما يؤدي وظيفة عامة تخدم المواطن، وكل توتر طويل بينهما ينعكس، بصورة أو بأخرى، على صورة العدالة وثقة المتقاضين في مؤسساتها.
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة الحالية تستوجب الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة الحل، وذلك عبر مبادرات عملية، من بينها:
فتح حوار مؤسساتي مسؤول بين مختلف الأطراف، يقوم على الاحترام المتبادل والإنصات.
احترام المسار الدستوري إلى حين صدور القرار بشأن القانون.
إحداث لجنة مشتركة لتتبع تنزيل القانون ورصد الإشكالات العملية التي قد تظهر أثناء التطبيق، واقتراح التعديلات اللازمة عند الاقتضاء.
تعزيز آليات التضامن المهني مع المحامين الأكثر تضرراً خلال هذه المرحلة.
إطلاق نقاش وطني حول مستقبل مهنة المحاماة ودورها في إصلاح منظومة العدالة.
غير أنني أعتقد أن الدرس الأهم الذي كشفت عنه هذه الأزمة يتجاوز مشروع القانون نفسه.
لقد أثبتت هذه المحطة أن المغرب أصبح في حاجة إلى آلية مؤسساتية دائمة للحوار بين وزارة العدل والمهن القضائية والقانونية، تكون مهمتها مناقشة مشاريع القوانين ذات الصلة بالعدالة منذ مراحلها الأولى، وإعداد دراسات مشتركة، واستشراف آثارها العملية، قبل وصولها إلى البرلمان.
فالحوار لا ينبغي أن يبدأ بعد اندلاع الأزمات، بل يجب أن يكون جزءاً من هندسة الإصلاح نفسها.
إن إحداث مثل هذه الآلية لن يخدم المحاماة وحدها، بل سيعزز جودة التشريع، ويقلل من منسوب الاحتقان، ويرسخ ثقافة التشاور، ويجسد المبادئ الدستورية القائمة على الديمقراطية التشاركية والحكامة الجيدة.
إن الدول التي نجحت في إصلاح منظوماتها القضائية لم تحقق ذلك بكثرة القوانين، وإنما بترسيخ مؤسسات للحوار الدائم، تجعل الاختلاف وسيلة لتطوير التشريع، لا سبباً لتعطيل الثقة.
واليوم، لا يحتاج المغرب إلى منتصر في هذه الأزمة بقدر ما يحتاج إلى مبادرة مؤسساتية شجاعة تعيد الجميع إلى طاولة الحوار، لأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على سن القوانين، وإنما أيضاً بقدرتها على بناء الثقة مع شركائها، كما أن قوة المحاماة لا تُقاس بطول الاحتجاج، وإنما بقدرتها على حماية رسالتها والمساهمة في تطوير العدالة.
لقد علمتنا هذه الأزمة أن النصوص يمكن تعديلها، وأن المواقف قد تتغير، لكن الثقة إذا تآكلت احتاجت إلى وقت وإرادة لإعادة بنائها.
ولهذا، فإن المسؤولية اليوم لا تقع على عاتق طرف واحد، بل هي مسؤولية مشتركة تقتضي تغليب الحكمة، وتقديم المصلحة العامة، وتحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإرساء نموذج جديد في تدبير الإصلاحات التشريعية الكبرى.
وعندما ينتصر الحوار... تنتصر العدالة. وعندما تنتصر العدالة... ينتصر الوطن.

08/07/2026

هل تبرر حماية أموال المتقاضين إخضاع هيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات؟
قراءة دستورية وقانونية في ضوء تصريح وزير العدل
أثار التصريح المنسوب إلى وزير العدل، والذي مفاده أن "800 مليار سنتيم من أموال الناس يجب أن تُراقب"، نقاشاً واسعاً داخل الأوساط القانونية والمهنية. وإذا كان مبدأ حماية أموال المواطنين لا يثير أي خلاف، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في مشروعية الرقابة، وإنما في تحديد محلها وحدودها والجهة المختصة بممارستها.
فالغاية المشروعة لا تعفي من ضرورة احترام المبادئ الدستورية التي تحكم تنظيم المهن المستقلة، وفي مقدمتها مهنة المحاماة.
أولاً: حماية أموال المتقاضين... مبدأ لا يختلف عليه أحد
لا يوجد محامٍ يعارض حماية أموال موكليه، بل إن المحامي هو أول من يحرص على صيانة هذه الأموال، لأن الثقة هي أساس العلاقة بينه وبين موكله.
غير أن حماية الحقوق لا تتحقق بالشعارات، وإنما ببناء منظومة قانونية دقيقة تحترم قواعد الاختصاص وتراعي المبادئ الدستورية.
ومن ثم، فإن النقاش يجب ألا ينحصر في سؤال: هل ينبغي حماية أموال المواطنين؟ لأن الجواب بديهي، وإنما في سؤال أكثر أهمية: ما هي الآلية القانونية التي تحقق هذه الحماية دون المساس باستقلال المهنة؟
ثانياً: هل نتحدث عن أموال المحامين أم أموال الموكلين؟
هنا يبرز أول إشكال قانوني.
فالرقم الذي تم تداوله، والمتمثل في 800 مليار سنتيم، لا يمثل أموال المحامين، ولا ميزانيات هيئاتهم، وإنما – إذا صح هذا الرقم – يمثل أموالاً تخص المتقاضين أو الغير، توجد مؤقتاً لدى بعض المحامين بحكم الوكالة أو تنفيذ الأحكام أو إتمام المعاملات.
وهذه الأموال لا تدخل في الذمة المالية للمحامي، ولا تصبح ملكاً له، بل تظل مملوكة لأصحابها، والمحامي لا يعدو أن يكون مؤتمناً عليها إلى حين تسليمها لمستحقيها.
ومن ثم، فإن الاستناد إلى هذا الرقم لتبرير إخضاع مالية الهيئات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات يثير تساؤلاً مشروعاً حول العلاقة القانونية بين محل الرقابة والغاية المعلنة.
بل إن هذا الرقم، إذا صح، لا يدل على حجم ثروة المحامين، وإنما يدل على حجم الثقة التي يضعها المواطنون في مؤسسة المحاماة، وهي ثقة راكمتها المهنة عبر عقود من خدمة العدالة.
ثالثاً: هل توجد علاقة قانونية بين أموال الموكلين ومالية الهيئات؟
هيئات المحامين لا تدير ودائع الموكلين، ولا تدخل هذه الأموال ضمن ميزانياتها أو حساباتها.
فمالية الهيئة تتكون من:
واجبات الانخراط.
الاشتراكات المهنية.
الموارد الخاصة بالهيئة.
المداخيل الناتجة عن أنشطتها.
أما أموال الموكلين فهي أموال خاصة، لا تشكل جزءاً من الذمة المالية للهيئة.
وعليه، فإن إخضاع مالية الهيئة لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يؤدي قانوناً إلى مراقبة ودائع الموكلين، لأن الرقابة ستكون منصبة على موضوع مختلف تماماً.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
إذا كان الهدف هو حماية أموال المتقاضين، فكيف تحقق مراقبة ميزانية الهيئة هذا الهدف؟
رابعاً: الإطار الدستوري للرقابة
الدستور المغربي يقوم على مبدأ التوازن بين الشفافية والمحاسبة من جهة، واستقلال المؤسسات المهنية من جهة أخرى.
فالمحاماة ليست إدارة عمومية، وليست مؤسسة مالية، وإنما مهنة حرة تؤدي رسالة دستورية ترتبط بضمان حق الدفاع والمحاكمة العادلة.
ومن ثم، فإن أي إصلاح ينبغي أن يراعي:
مبدأ المشروعية.
مبدأ التناسب.
مبدأ استقلال المهنة.
مبدأ احترام الاختصاصات الدستورية.
لذلك، فإن النقاش لا يتعلق برفض الرقابة، وإنما بمدى انسجامها مع الضمانات الدستورية المنظمة للمهنة.
خامساً: هل الوسيلة تحقق الغاية؟
من المبادئ المستقرة في القانون أن مشروعية الهدف لا تكفي، بل يجب أن تكون الوسيلة ملائمة ومتناسبة معه.
فإذا كانت الغاية هي حماية أموال المتقاضين، فإن السؤال يصبح:
هل مراقبة مالية الهيئات تحقق فعلاً هذه الغاية؟
أم أن الأمر يتعلق بموضوعين منفصلين قانوناً؟
فالرقابة التي لا تنصب على محل الخطر الحقيقي قد تتحول إلى إجراء لا يحقق الهدف الذي أعلن من أجله.
سادساً: هل توجد بدائل قانونية أكثر فعالية؟
إذا كان الهدف الحقيقي هو حماية أموال المواطنين، فإن هناك وسائل قانونية أكثر ارتباطاً بهذا الهدف، من بينها:
تنظيم حسابات الودائع المهنية وفق ضوابط قانونية واضحة.
تعزيز آليات المراقبة الداخلية داخل هيئات المحامين.
تطوير أنظمة التدقيق والافتحاص الداخلي.
تعزيز التأمين المهني لحماية المتقاضين.
تشديد المسؤولية التأديبية والمدنية والجنائية عند ثبوت أي اختلاس أو تبديد.
اعتماد آليات رقمية حديثة لتتبع العمليات المالية المرتبطة بودائع الموكلين، مع احترام السر المهني وضمانات الدفاع.
فهذه الإجراءات تحقق الغاية المعلنة دون المساس باستقلال المؤسسة المهنية.
الإشكالات القانونية التي يثيرها التصريح
يطرح هذا النقاش مجموعة من الأسئلة القانونية والدستورية العميقة، من أبرزها:
هل يوجد أساس دستوري أو قانوني يخول للمجلس الأعلى للحسابات مراقبة هيئات المحامين؟
هل تعتبر هيئات المحامين من الجهات الخاضعة لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات؟
ما الطبيعة القانونية لأموال الموكلين؟ وهل يمكن اعتبارها جزءاً من مالية الهيئات؟
هل توجد علاقة قانونية بين مراقبة ميزانية الهيئة وبين حماية ودائع المتقاضين؟
هل تتوافق هذه الرقابة مع مبدأ استقلال مهنة المحاماة؟
وهل تحقق الوسيلة المقترحة الغاية التي أعلن عنها الوزير؟
خاتمة
إن حماية أموال المواطنين ليست محل خلاف، بل هي واجب قانوني وأخلاقي يقع على عاتق الجميع.
غير أن دولة القانون لا تقوم على سلامة المقاصد وحدها، وإنما على سلامة التكييف القانوني، واحترام المبادئ الدستورية، والتناسب بين الوسائل والغايات.
ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون بين مؤيد للرقابة ومعارض لها، بل بين رؤيتين للإصلاح: الأولى تربط بين حماية أموال المتقاضين ومراقبة مالية الهيئات، والثانية ترى أن حماية تلك الأموال تقتضي آليات قانونية متخصصة تستهدف محل الخطر الحقيقي، مع الحفاظ على استقلال المحاماة باعتباره ضمانة للمتقاضي قبل أن يكون امتيازاً للمحامي.
فالرقابة ضرورة، لكن الأهم هو أن تكون رقابة مشروعة، متناسبة، وموجهة إلى محلها الصحيح، بما يعزز الثقة في العدالة ويصون استقلال مهنة المحاماة في آن واحد.

07/07/2026

لم يعد الرفض وحده كافياً... المحاماة اليوم مطالبة بصناعة الحلول لا بالاكتفاء بالاحتجاج
بعد المعركة التشريعية... كيف تستعيد المحاماة المغربية زمام المبادرة؟
بقلم: الأستاذ عبد الغني هرماشي
محام بهيئة الدار البيضاء
لقد علمتنا الأزمة التي رافقت مشروع قانون مهنة المحاماة درساً لا ينبغي أن يضيع وسط ضجيج الأحداث، وهو أن الاحتجاج حق، لكنه ليس مشروعاً للمستقبل، والرفض موقف، لكنه لا يغني عن تقديم البديل.
لقد أدت المحاماة المغربية دورها في التعبير عن موقفها من المشروع، وخاضت أشكالاً نضالية متعددة دفاعاً عن تصورها للمهنة واستقلالها. لكن المرحلة التي نعيشها اليوم تفرض علينا طرح سؤال أكثر أهمية من سؤال: ماذا نرفض؟
إن السؤال الحقيقي هو: ماذا نقترح؟
فالتاريخ يعلمنا أن المهن العريقة لا تُقاس فقط بقدرتها على الاعتراض، وإنما بقدرتها على إنتاج الأفكار، وصناعة البدائل، والمساهمة في بناء الإصلاح.
لقد أثبتت هذه الأزمة أن الدفاع عن المهنة لا يبدأ عند إعلان الإضراب، ولا ينتهي عند التصويت على مشروع قانون، وإنما يبدأ قبل ذلك بسنوات، عبر بناء مؤسسات قوية، وإعداد دراسات علمية، وصياغة مقترحات تشريعية، وفتح قنوات دائمة للحوار مع المؤسسات الدستورية.
إن المعارك التشريعية الكبرى لا تُربح داخل البرلمان فقط، بل تُربح قبل ذلك داخل مراكز البحث، والجامعات، واللجان التقنية، وفضاءات الحوار، والرأي العام.
وقد أثبتت التجارب المقارنة في عدد من الدول الديمقراطية أن الهيئات المهنية الأكثر تأثيراً ليست تلك التي تكتفي بالاحتجاج، وإنما تلك التي تمتلك مراكز للدراسات، وتنتج أوراقاً تشريعية، وتقترح حلولاً عملية قبل أن تُعرض مشاريع القوانين على البرلمان.
ولذلك، فإن المرحلة الحالية لم تعد تحتاج إلى مزيد من البيانات، بقدر ما تحتاج إلى مشروع وطني لإعادة بناء قوة المحاماة المغربية.
ومن هنا، أقترح إطلاق "رؤية 2035 للمحاماة المغربية"، باعتبارها خارطة طريق استراتيجية للمهنة خلال العقد المقبل، تقوم على خمس ركائز أساسية:
أولاً: محامٍ مستقل وقوي، يتمتع بتكوين مستمر، وتخصصات حديثة، وضمانات مهنية تعزز استقلاله وقدرته على مواكبة التحولات القانونية والاقتصادية.
ثانياً: مؤسسة مهنية حديثة، تعتمد الحكامة والشفافية، وتُشرك القاعدة المهنية في صناعة القرار، وتطور آليات التواصل والمساءلة.
ثالثاً: تشريع تشاركي ومستدام، من خلال إنشاء مرصد وطني للتشريع المهني، ومركز للدراسات القانونية، ولجان دائمة للتواصل مع البرلمان والحكومة، حتى تصبح المحاماة شريكاً في صناعة التشريع لا مجرد متلقية له.
رابعاً: التحول الرقمي والابتكار، عبر رقمنة الخدمات المهنية، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، وتأهيل مكاتب المحاماة لمتطلبات العدالة الرقمية.
خامساً: الانفتاح الدولي، بتطوير الشراكات مع هيئات المحامين في الخارج، وتعزيز حضور المحامي المغربي في التحكيم الدولي، والاستثمار في القانون المقارن واللغات والتكوين الدولي.
لكن الرؤية، مهما كانت طموحة، لا تكفي وحدها. فهي تحتاج إلى خطة تنفيذ واضحة.
ولهذا، فإن الخطوة الأولى ينبغي أن تكون الدعوة إلى مؤتمر وطني لإصلاح المحاماة المغربية، يجمع الهيئات المهنية، والمحامين، والجامعيين، والخبراء، ويخرج بخارطة طريق محددة، تتضمن أهدافاً قابلة للقياس، وجدولاً زمنياً، ولجاناً للتنفيذ والمتابعة.
كما أقترح إنشاء مرصد وطني لتطبيق قانون المحاماة، تكون مهمته رصد الإشكالات العملية التي سيكشف عنها التطبيق، وإعداد تقارير دورية، وصياغة مقترحات تعديل مبنية على الواقع، لأن التجربة العملية هي أفضل وسيلة لتقييم جودة أي تشريع.
إن المحاماة المغربية تمتلك رصيداً تاريخياً كبيراً، وكفاءات علمية ومهنية مشهوداً لها، لكنها تحتاج اليوم إلى الانتقال من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة المبادرة، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.
فالقانون قد يُصادق عليه اليوم، لكنه سيظل قابلاً للتقييم والتطوير كلما أظهرت الممارسة العملية الحاجة إلى ذلك. أما الذي لا يحتمل التأجيل، فهو بناء مؤسسات مهنية أكثر قوة، وأكثر قدرة على التأثير في صناعة القرار.
لقد علمتنا هذه الأزمة أن القانون قد يُسن بالأغلبية، لكن الثقة لا تُبنى بالأغلبية، بل بالحوار، والمشاركة، والاحترام المتبادل.
وإذا كانت المحاماة قد خرجت من هذه المحطة بتجربة قاسية، فإنها تستطيع أن تحولها إلى نقطة انطلاق جديدة، شرط أن تجعل من هذه الأزمة مدرسة للتطوير، لا مجرد محطة للاحتجاج.
إن الوقت قد حان لأن تقول المحاماة المغربية: لن نكتفي برفض ما لا نريده، بل سنقود مشروعاً وطنياً لما نريده.
فالتاريخ لا يخلد من اكتفى برفض الواقع، بل يخلد من امتلك الشجاعة لتغييره. ولا تُقاس قوة المهن بعدد الوقفات التي تنظمها، بل بعدد الأفكار التي تنتجها، والإصلاحات التي تقودها، والحلول التي تقدمها لوطنها.
فإذا كانت هذه الأزمة قد كشفت مواطن الضعف، فإن المستقبل يجب أن يكون فرصة لبناء محاماة أكثر قوة، وأكثر تأثيراً، وأكثر استعداداً لمواجهة تحديات الغد.

04/07/2026

حين يكون الأمل واجباً... لا مكان لخطاب الإحباط داخل المحاماة
تمر المحاماة المغربية اليوم بواحدة من أدق محطاتها، في ظل استمرار مناقشة مشروع القانون المنظم للمهنة داخل المؤسسة التشريعية. وهي مرحلة تستوجب قدراً كبيراً من اليقظة، والحكمة، ووحدة الصف، لأن ما يُناقش اليوم لا يتعلق فقط بتعديل نص قانوني، بل بمستقبل مهنة تضطلع بدور دستوري في حماية الحقوق والحريات، وترسيخ دولة القانون.
ولا يخفى على أحد أن الطريقة التي أُعد بها المشروع، والمنهجية التي رافقت مساره، أثارت تحفظات واعتراضات واسعة داخل الجسم المهني. وهذه التحفظات مشروعة، بل إنها تعكس حرص المحامين على أن يكون أي إصلاح ثمرة حوار مؤسساتي حقيقي، لا نتيجة مقاربة أحادية لا تستحضر بالشكل الكافي خصوصية المهنة ورسالتها الدستورية.
لكن، في المقابل، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه المحاماة اليوم ليس مشروع القانون في حد ذاته، وإنما انتشار خطاب الإحباط، وكأن المعركة قد حُسمت، وكأن كل وسائل الترافع والدفاع قد استُنفدت. وهذا تصور لا ينسجم مع تاريخ المحاماة، ولا مع طبيعة العمل القانوني الذي يقوم على الإقناع، والترافع، واستثمار كل الآليات التي يتيحها الدستور والقانون.
إن الاختلاف حول مشروع القانون لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف بين المحامين أنفسهم. فتنوع الآراء داخل المهنة مصدر قوة متى اجتمعت الإرادات حول هدف واحد، وهو حماية استقلالية المحاماة، وصون حصانة الدفاع، والحفاظ على التوازن داخل منظومة العدالة.
إن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من ردود الفعل إلى المبادرة، ومن الاعتراض إلى تقديم البدائل. فالمهنة في حاجة إلى رؤية إصلاحية متكاملة، تُثبت أن المحامين ليسوا رافضين للإصلاح، بل شركاء فيه، شريطة أن يكون إصلاحاً يحترم الدستور، ويعزز استقلال المهنة، ويرفع من جودة العدالة، ويخدم المتقاضي قبل أي طرف آخر.
ومن هنا، فإن الأولويات العملية تبدو واضحة: توحيد الخطاب المهني، وإعداد مقترحات تعديل دقيقة ومدعمة بحجج دستورية وقانونية، وتكثيف التواصل مع المؤسسة التشريعية، والانفتاح على المجتمع والرأي العام لشرح أن استقلال المحاماة ليس امتيازاً مهنياً، بل ضمانة أساسية لحقوق المواطنين وحرياتهم.
كما أن هذه المرحلة تقتضي الاستثمار في البحث العلمي القانوني، والاستفادة من التجارب المقارنة، وبناء شراكات مع الجامعات والخبراء، حتى تكون المواقف المهنية مؤسسة على المعرفة والاقتراح، لا على رد الفعل وحده.
إن قوة المحاماة لم تكن يوماً في قدرتها على الاعتراض فقط، وإنما في قدرتها على تقديم الحلول، وصناعة التوافقات، والدفاع عن مبادئها بالحجة والقانون. ولذلك فإن المسؤولية اليوم تقتضي أن يبقى صوت المحامين قوياً، واضحاً، ومؤثراً، في إطار احترام المؤسسات والوسائل المشروعة التي يكفلها الدستور.
لقد أثبت التاريخ أن الأزمات ليست دائماً نهاية الطريق، بل قد تكون بداية مرحلة أكثر نضجاً وقوة. والمحاماة المغربية، بما راكمته من تاريخ ونضال وكفاءات، قادرة على تحويل هذه اللحظة إلى فرصة لإعادة بناء رؤية مهنية أكثر تماسكاً، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.
إن المرحلة ليست مرحلة استسلام، وليست مرحلة انقسام، بل مرحلة مسؤولية. مسؤولية الدفاع عن استقلال المحاماة، وعن مكانتها داخل منظومة العدالة، وعن حق كل مواطن في دفاع مستقل وحر. فحين تتوحد الإرادة، ويعلو صوت القانون على كل اعتبار، تصبح المحاماة أقوى، ويصبح الإصلاح الحقيقي ممكناً.

01/07/2026

عندما تتعثر السياسة...تحتاج الدولة إلى رجال دولة لا إلى مزيد من الأصوات
قراءة دستورية في أزمة مشروع قانون مهنة المحاماة
بقلم: الأستاذ عبد الغني هرماشي
محام بهيئة الدار البيضاء
"ماذا تربح الدولة إذا ربحت التصويت داخل البرلمان، لكنها خسرت ثقة أحد أهم شركائها في منظومة العدالة؟"
قد يبدو هذا السؤال سياسياً في ظاهره، لكنه في جوهره سؤال دستوري ومؤسساتي يتعلق بجودة التشريع، وحدود السلطة، ومستقبل الثقة في مؤسسات الدولة.
فالقوانين لا تُقاس بعدد الأصوات التي صادقت عليها، وإنما بقدرتها على تحقيق الاستقرار، وترسيخ الأمن القانوني، وتعزيز ثقة المواطنين والفاعلين في المؤسسات. فالمشروعية الإجرائية التي تمنحها الأغلبية البرلمانية تظل ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها لتحقيق المشروعية المجتمعية التي تُعد الضامن الحقيقي لاستمرار القوانين ونجاحها.
لقد وصلت أزمة مشروع قانون مهنة المحاماة إلى مرحلة دقيقة، تجاوز فيها النقاش حدود بعض المقتضيات القانونية، ليطرح سؤالاً أكبر يتعلق بمنهجية التشريع نفسها: كيف ينبغي للدولة أن تدير الاختلاف عندما يتعلق الأمر بإحدى المهن الدستورية المساهمة في تحقيق العدالة؟
ولا أحد ينازع الحكومة في حقها الدستوري في المبادرة التشريعية، ولا البرلمان في اختصاصه الأصيل في المناقشة والتعديل والتصويت. غير أن الدولة الدستورية لا تقوم فقط على احترام الإجراءات، وإنما أيضاً على احترام المبادئ المؤسسة لها، وفي مقدمتها دولة الحق والقانون، والحكامة الجيدة، والديمقراطية التشاركية، والأمن القانوني، وضمان المحاكمة العادلة.
فحين يتعلق الأمر بقانون ينظم مهنة المحاماة، فإن الأمر لا يهم المحامين وحدهم، بل يمس إحدى الضمانات الأساسية التي تحمي حق المواطن في الدفاع، وتكرس التوازن داخل منظومة العدالة.
إن القانون يكتسب قوته من إلزاميته، لكنه يكتسب هيبته من عدالته، ويكتسب استقراره من الثقة التي يحظى بها لدى المجتمع. ولهذا، فإن التشريعات المنظمة للعدالة لا ينبغي أن تُدار بمنطق الغالب والمغلوب، لأن المؤسسات الدستورية لا تتنافس فيما بينها، وإنما تتكامل لتحقيق المصلحة العامة.
ولقد علمتنا التجربة الدستورية المغربية أن أعظم الإصلاحات لم تكن ثمرة الغلبة، بل ثمرة الحوار الذي حوّل الاختلاف إلى قوة، والخلاف إلى توافق. فمنذ إقرار دستور 2011، اختار المغرب نهج الإصلاح في إطار الاستقرار، وجعل الحوار والتوافق من أهم أدوات تدبير القضايا الوطنية الكبرى. ولذلك، فإن الحفاظ على هذا الرصيد المؤسساتي يظل مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع الفاعلين.
إن الأزمات التشريعية الكبرى لا تُقاس بنتيجة التصويت، وإنما بقدرة المؤسسات على استيعاب الاختلاف وإنتاج الحلول. فكم من قوانين اعتمدت بسرعة، ثم اضطرت الدولة نفسها إلى مراجعتها بعد أن أثبت الواقع أن الحوار كان يمكن أن ينتج نصوصاً أكثر توازناً واستقراراً.
واليوم، يبدو أن الأزمة تجاوزت مضمون النص لتصبح أزمة ثقة. وهذه أخطر مرحلة يمكن أن يصل إليها أي إصلاح، لأن النصوص يمكن تعديلها في أي وقت، أما الثقة فإذا اهتزت، فإن إعادة بنائها تحتاج إلى إرادة سياسية ومؤسساتية أكبر بكثير من مجرد إصدار قانون جديد.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه على الجميع:
أليس داخل الدولة من يمتلك الحكمة الكافية لإطلاق مبادرة تعيد بناء الثقة قبل أن تتسع دائرة الخلاف؟
إن رجال الدولة لا يُعرفون في الأوقات العادية، وإنما تظهر قيمتهم في اللحظات التي تحتاج فيها المؤسسات إلى من يجمع ولا يفرق، ويصغي قبل أن يقرر، ويبحث عن الحل قبل أن يبحث عن الانتصار.
فالدولة القوية ليست تلك التي تنتصر على أحد مكوناتها، وإنما تلك التي تنجح في جعل الجميع يشعر بأنه شريك في صناعة القرار، لأن قوة المؤسسات تُقاس بقدرتها على بناء الثقة، لا بقدرتها على إدارة الخلاف فقط.
واليوم، يقف مجلس المستشارين أمام مسؤولية دستورية وسياسية وتاريخية. فهو ليس مجرد محطة لاستكمال المسطرة التشريعية، بل مؤسسة دستورية تضطلع بدور المراجعة والتدقيق والتوازن. ومن ثم، فإن القراءة الثانية لمشروع القانون تمثل فرصة مؤسساتية لإعادة تقييم المقتضيات التي ما تزال تثير خلافاً واسعاً، بما يحقق الإصلاح ويحافظ في الوقت نفسه على الثقة بين الدولة ومكونات العدالة.
كما أن الحكومة، وهي تقود ورش إصلاح العدالة، مدعوة إلى استحضار أن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بسرعة اعتماده، وإنما بقدرته على الصمود أمام الزمن. فالقانون الذي يولد في مناخ من الحوار والثقة يكون أكثر استقراراً من قانون يولد وسط انقسام، حتى وإن استوفى جميع إجراءاته الشكلية.
إن الحكمة لا تظهر عندما تتفق المؤسسات، وإنما عندما تختلف. ففي لحظات الاختلاف الكبرى، لا يحتاج الوطن إلى منتصر ومهزوم، بل إلى من يمتلك شجاعة الإصغاء قبل شجاعة القرار. فالقوانين قد تُمرر بالأغلبية، لكن الثقة لا تُبنى إلا بالتوافق، والإصلاح الحقيقي هو الذي يجعل جميع الأطراف تشعر بأنها شاركت في صناعته.
ويبقى السؤال الذي سيجيب عنه المستقبل، لا جلسة تصويت واحدة: هل ستنتهي الأزمة بمجرد المصادقة على القانون، أم أن المرحلة المقبلة ستفرض إعادة فتح النقاش حول كيفية تنزيله وآثاره على منظومة العدالة؟
إن الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد ما إذا كنا أمام إصلاح تشريعي مستدام، أم أمام أزمة مؤجلة.
قد تُكتب القوانين في قاعات البرلمان، لكن مشروعيتها الحقيقية تُكتب في ضمير الأمة. فالدولة التي تنتصر بالحكمة تكسب ثقة مواطنيها، أما الدولة التي تكتفي بالانتصار العددي، فقد تربح معركة تشريعية، لكنها تخسر فرصة تاريخية لبناء إجماع وطني حول إصلاح العدالة.
واليوم، لا يحتاج المغرب إلى منتصرين، بل إلى رجال دولة يضعون مستقبل المؤسسات فوق كل اعتبار، ويؤمنون بأن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تتحقق داخل قاعة التصويت، وإنما تلك التي تترك الوطن أكثر تماسكاً، والعدالة أكثر ثقة، والمؤسسات أكثر قوة واحتراماً.
الأستاذ عبد الغني هرماشي
محام بهيئة الدار البيضاء – المغرب

01/07/2026

في الأزمات التشريعية... تحتاج الدولة إلى الحكمة أكثر من الحاجة إلى الأغلبية
بقلم: الأستاذ عبد الغني هرماشي
محام بهيئة الدار البيضاء
ليست كل معركة تشريعية انتصاراً للدولة، كما أن تمرير القوانين بالأغلبية لا يعني بالضرورة نجاح الإصلاح. فالدولة القوية ليست تلك التي تملك الأرقام الكافية للتصويت، وإنما تلك التي تمتلك من الحكمة ما يجعلها قادرة على بناء التوافق، خاصة عندما يتعلق الأمر بقوانين تمس منظومة العدالة ومؤسساتها.
إن الأزمة التي يعرفها مشروع قانون مهنة المحاماة لم تعد مجرد خلاف بين الحكومة والمحامين، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات على إدارة الاختلاف في إطار الدستور وروح دولة الحق والقانون.
لقد كان المنتظر أن يشكل الحوار أساس هذا الإصلاح، وأن تكون المقاربة التشاركية قاعدة لا استثناء، لأن المحاماة ليست طرفاً خارج منظومة العدالة، بل شريكاً دستورياً في تحقيقها. غير أن تطور الأحداث أوحى لدى جزء واسع من المهنيين بأن التشاور لم يرقَ إلى مستوى التطلعات التي صاحبت إطلاق ورش الإصلاح.
إن الوفاء بالالتزامات السياسية والمؤسساتية ليس مجرد مسألة أخلاقية، بل هو عنصر أساسي في بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها ومؤسساتها. وعندما يشعر الفاعلون بأن الوعود بالحوار لم تنعكس بالشكل الكافي على المسار التشريعي، فإن الأزمة تتحول من نقاش حول مواد قانونية إلى نقاش حول الثقة في منهجية صناعة القرار.
واليوم، تقف المؤسسة التشريعية أمام مسؤولية تاريخية. فمجلس المستشارين ليس مجرد محطة إجرائية لاستكمال المسطرة، بل فضاء دستوري للمراجعة والتدقيق والتوازن. ومن هنا، فإن القراءة الثانية يجب أن تكون قراءةً للمصلحة الوطنية، تستحضر أن التشريعات المتعلقة بمهن العدالة تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من التوافق، لأن آثارها تمتد إلى حماية الحقوق والحريات وثقة المواطنين في القضاء.
إن الحكمة التشريعية تقتضي التمييز بين حق الأغلبية في التشريع وواجبها في الإصغاء. فالأغلبية تمنح المشروعية الإجرائية، لكن الحوار يمنح المشروعية المجتمعية، ولا يكتمل الإصلاح إلا باجتماعهما.
كما أن المسؤولية السياسية تفرض على الحكومة أن تظل منفتحة على المراجعة متى تبين أن مشروعاً معيناً أحدث انقساماً عميقاً داخل أحد المكونات الأساسية للعدالة. فالتراجع عن بعض الخيارات بعد حوار جاد ليس ضعفاً، بل تعبير عن نضج الدولة وثقتها في مؤسساتها.
إن المطلوب اليوم ليس غالباً ومغلوباً، ولا انتصار الحكومة على المحامين أو العكس، وإنما انتصار دولة المؤسسات على منطق الاستقطاب. فكل إصلاح يفقد ثقة شركائه يظل معرضاً لإعادة النقاش، بينما الإصلاح المبني على التوافق يكتسب الاستقرار والقبول.
ومن هذا المنبر، أتوجه إلى المؤسسة التشريعية بنداء مسؤول: إن التاريخ لا يخلد عدد القوانين التي تم تمريرها، بل يخلد القوانين التي نجحت في تحقيق التوازن بين سلطة الدولة وحقوق المجتمع.
وأتوجه كذلك إلى رئيس الحكومة بدعوة صادقة إلى إعادة بناء جسور الثقة، فقيادة الإصلاح لا تُقاس فقط بسرعة الإنجاز، بل أيضاً بالقدرة على الاستماع، وتصحيح المسار، وتحويل الخلاف إلى فرصة لتقوية المؤسسات.
إن المغرب، بقيادته ومؤسساته، راكم تجربة مهمة في تدبير الملفات الكبرى بالحوار والتوافق. ولذلك، فإن الجميع معني اليوم بالارتقاء فوق منطق كسب الجولة، إلى منطق كسب الوطن.
ففي الأزمات التشريعية، لا تحتاج الدولة إلى مزيد من الأصوات المؤيدة داخل قاعة التصويت، بقدر ما تحتاج إلى رجال ونساء دولة يؤمنون بأن الحكمة، والإنصات، والتوافق، هي الطريق الأقصر إلى إصلاح يحظى بالشرعية، ويصمد أمام اختبار الزمن.
الأستاذ عبد الغني هرماشي
محام بهيئة الدار البيضاء – المغرب

29/06/2026

المحاماة المغربية على مفترق الطرق: هل تتحول الأزمة التشريعية إلى فرصة لإصلاح العدالة؟
بقلم: الأستاذ عبد الغني هرماشي
محام بهيئة الدار البيضاء
لم يكن البلاغ الصادر عن جمعية هيئات المحامين بالمغرب عقب الوقفة الوطنية أمام البرلمان مجرد إعلان عن استمرار الاحتجاج، بل شكّل وثيقة قانونية وسياسية تعكس حجم القلق الذي يعيشه الجسم المهني إزاء مشروع قانون يرى فيه المحامون مساساً باستقلال المهنة، وبإحدى أهم ضمانات المحاكمة العادلة.
وتكشف القراءة المتأنية للبلاغ أن جوهر الخلاف لا يتعلق ببعض المواد القانونية فحسب، بل يمتد إلى فلسفة التشريع نفسها. فحين يشعر أحد المكونات الأساسية لمنظومة العدالة بأن القانون المنظم لمهنته صيغ بعيداً عن المقاربة التشاركية، فإن الأزمة تتحول من خلاف حول النصوص إلى أزمة ثقة في منهجية الإصلاح.
إن الدستور المغربي جعل من استقلال السلطة القضائية، وضمان المحاكمة العادلة، وسيادة القانون، مرتكزات أساسية لبناء دولة المؤسسات. ولا يمكن تصور محاكمة عادلة دون دفاع مستقل يمارس رسالته بحرية وطمأنينة، لأن استقلال المحاماة ليس امتيازاً مهنياً، وإنما هو حق أصيل للمواطن الباحث عن الإنصاف.
ومن هذه الزاوية، فإن الوقفة الوطنية لم تكن دفاعاً عن مصالح فئوية، بل رسالة تؤكد أن حماية المحاماة تعني حماية حق المتقاضي في دفاع حر ومستقل، وصون التوازن داخل منظومة العدالة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نحن أمام أزمة قانون، أم أزمة ثقة؟
في تقديري، إن الأزمة الحالية تتجاوز مضمون مشروع القانون، لتطرح إشكالية أعمق تتعلق بطريقة إعداد التشريعات المرتبطة بمهن العدالة. فالإصلاح الحقيقي لا يقوم على منطق فرض النصوص، وإنما على الحوار والتوافق مع الشركاء المؤسساتيين، لأن العدالة ليست قطاعاً إدارياً عادياً، بل ركيزة من ركائز الدولة الدستورية.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن المشهد الحالي يضم عدة أطراف: الحكومة، والبرلمان، وجمعية هيئات المحامين، والرأي العام، والمؤسسات الدستورية. وكل طرف يملك جزءاً من الحل، لكن استمرار الأزمة لن يكون في مصلحة أي منها، لأن المتضرر الأول هو ثقة المواطن في العدالة.
إن المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال من منطق التصعيد إلى منطق المبادرة، وذلك عبر خارطة طريق واضحة تقوم على:
تعليق المسطرة التشريعية مؤقتاً لتهيئة مناخ الحوار.
فتح حوار وطني مؤسساتي تشارك فيه جميع مكونات منظومة العدالة.
إعداد مشروع قانون توافقي يحترم الدستور والالتزامات الدولية للمملكة.
تقديم بدائل تشريعية دقيقة لكل مادة محل خلاف، بما يعكس أن المحامين ليسوا في موقع الرفض، بل في موقع الشريك في الإصلاح.
إطلاق تواصل مؤسساتي يوضح للرأي العام أن استقلال المحاماة هو ضمانة لحقوق المواطنين قبل أن يكون مطلباً مهنياً.
لقد أثبتت التجارب المقارنة أن الإصلاحات الكبرى لا تُبنى بمنطق الغلبة، وإنما بمنطق التوافق، وأن القوانين التي تنظم مهن العدالة تكتسب مشروعيتها من الحوار أكثر مما تكتسبها من التصويت.
إن البلاغ الأخير لجمعية هيئات المحامين بالمغرب يمثل انتقالاً من الاحتجاج الميداني إلى المرافعة المؤسساتية، ويضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية: إما تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لبناء قانون عصري يكرس استقلال المحاماة ويعزز ثقة المواطن في العدالة، أو استمرار حالة الاستقطاب بما يحمله ذلك من آثار على الأمن القانوني واستقرار المؤسسات.
ويبقى الأمل معقوداً على تغليب الحكمة وروح الدستور، لأن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على سن القوانين فحسب، وإنما بقدرتها على إنتاج توافقات وطنية تجعل من العدالة فضاءً للثقة، ومن المحاماة شريكاً أساسياً في حماية الحقوق والحريات.

27/06/2026

حين تتحول التشريعات إلى تهديد للمحاماة... من يحمي دولة الحق والقانون؟
لم يعد النقاش الدائر حول مشروع قانون مهنة المحاماة مجرد اختلاف في وجهات النظر حول نص تشريعي، بل أصبح اختباراً حقيقياً لمدى التزام الدولة بضمان استقلال الدفاع، وصون أحد أهم ركائز العدالة وسيادة القانون.
إن وصف جمعية هيئات المحامين بالمغرب للمشروع بأنه "مذبحة تشريعية"، مع إعلانها الاستعداد لخوض أشكال نضالية قد تصل إلى إغلاق مكاتب المحامين، يعكس حجم القلق الذي يعيشه الجسم المهني، ويؤشر إلى أزمة ثقة غير مسبوقة بين السلطة التنفيذية وممثلي المهنة.
ولا يتعلق الأمر برفض الإصلاح، فالمحامون كانوا دائماً في طليعة الداعين إلى تحديث التشريعات وتطوير منظومة العدالة، لكن الإصلاح الحقيقي لا يكون بإضعاف أحد أهم شركائها، ولا بسن نصوص تثير مخاوف جدية بشأن مستقبل استقلال المهنة.
فالدستور المغربي لم ينظر إلى المحاماة كمهنة عادية، بل كجزء لا يتجزأ من منظومة العدالة. إذ ينص الفصل 117 على أن القضاء يتولى حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وهو هدف لا يمكن تحقيقه دون دفاع مستقل وقوي. كما يضمن الفصل 118 حق كل شخص في الولوج إلى القضاء، بينما يؤكد الفصل 120 أن حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم. وهذه الضمانات الدستورية لا تتحقق بمجرد وجود محامٍ، وإنما بوجود محامٍ يمارس رسالته في استقلال تام، بعيداً عن أي تأثير أو ضغط أو قيود تمس جوهر وظيفته.
ومن هنا، فإن أي إصلاح تشريعي ينبغي أن يكون منسجماً مع هذه المقتضيات الدستورية، وأن يعزز استقلال المحاماة باعتبارها شريكاً أساسياً في تحقيق العدالة، لا أن يثير مخاوف بشأن مستقبل هذا الاستقلال.
إن أخطر ما يثير القلق اليوم ليس فقط مضمون بعض المقتضيات، وإنما أيضاً المنهجية التي أُدير بها هذا الورش التشريعي، في ظل شعور متزايد لدى الجسم المهني بعدم الأخذ بملاحظاته الجوهرية. وعندما يغيب الحوار الحقيقي، يتحول الإصلاح من وسيلة لتطوير العدالة إلى سبب لتأجيج الأزمة.
كما أن النقاش العمومي عرف تداول مواقف تتحدث عن توتر في العلاقة بين وزارة العدل وعدد من الفاعلين المهنيين. غير أن جوهر النقاش يجب أن يبقى منصباً على النصوص القانونية وآثارها، لأن التشريعات تُناقش في ضوء الدستور والمصلحة العامة، لا في ضوء الأشخاص أو الخلافات.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يحتاج المغرب إلى قانون يُضعف المحاماة، أم إلى قانون يعزز استقلالها حتى تتمكن من أداء رسالتها في حماية الحقوق والحريات، وترسيخ الأمن القانوني والقضائي، وتعزيز ثقة المستثمرين في عدالة مستقلة وفعالة؟
إن استقلال المحامي ليس امتيازاً مهنياً، بل هو ضمانة دستورية للمواطن قبل أن يكون ضمانة للمحامي. فكلما كان الدفاع مستقلاً، كانت المحاكمة أكثر عدالة، وكانت ثقة المجتمع في القضاء أقوى.
إن الدفاع عن استقلال المحاماة ليس دفاعاً عن فئة مهنية، بل هو دفاع عن حق كل مواطن في محاكمة عادلة، وعن دولة اختارت بدستورها أن تجعل الحقوق والحريات فوق كل اعتبار.
واليوم، لم يعد المطلوب مجرد تعديل بعض المواد، بل إعادة بناء جسور الثقة بين الحكومة ومهنة كانت ولا تزال شريكاً أساسياً في بناء دولة الحق والقانون.
فالقوانين قد تُمرر بالأغلبية، لكن العدالة لا تُبنى إلا بالتوافق، واحترام الدستور، والاستماع إلى أهل الاختصاص. وإن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على فرض القوانين، وإنما بقدرتها على إنتاج قوانين عادلة، تحظى بالشرعية، وتعزز ثقة المواطنين في مؤسساتهم.

Address

Boulevard Hassan 1 47 Rue Abou Soufain N 5 Casablanca Maroc
Casablanca
25300

Opening Hours

Monday 08:30 - 20:00
Tuesday 08:30 - 20:00
Wednesday 08:30 - 20:00
Thursday 08:30 - 20:00
Friday 08:30 - 20:00
Saturday 08:30 - 13:00

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when الأستاذ عبد الغني هرماشي محامي بهيئة الدار البيضاء. posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share

Category