29/08/2026
رسالة إلى من يكتم العلم وسر الصنعة
لا أعرف لماذا في بلداننا العربية، معظم الفيديوهات التي ينشرها التقنيون لا تشرح طريقة العمل بشكل واضح وبسيط حتى يستفيد الآخرون. أرى ما يحدث في بعض الورشات؛ عندما تحاول التركيز لتفهم، تجد من يخفي عنك مكان العطل أو كيف قام بالتشخيص والإصلاح، وكأن المعرفة سر حربي يُخشى أن يتعلمه غيره فيصبح منافساً له أو يزاحمه في رزقه.
أنا أتفهم أن الإنسان قضى سنوات في الدراسة والتعلم والتجربة حتى وصل إلى مستواه، وهذا جهد يُحترم ويُقدّر. لكن هل من العدل أن يحتفظ بكل ما تعلمه لنفسه، أو يورّثه فقط لأبنائه والمقربين، ثم يأخذ علمه معه إلى القبر؟
العلم أمانة استودعك الله إياها، والثروة الحقيقية ليست في الاحتكار، بل في البذل والعطاء لمن يحتاج. تعليمك لغيرك لن ينقص من رزقك ديناراً؛ فالأرزاق بيد الخالق وحده، وقد يكون تعليمك سبباً في فتح باب رزق لشخص آخر يُعين به أهله، بل وربما يتفوق في المستقبل ويعلم غيره في ميزان حسناتك.
إن كتمان المعرفة خوفاً على الرزق أمر حذّر منه ديننا الحنيف؛ فقد قال رسول الله ﷺ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
ولله الحمد والمنّة، لم يعد طلب العلم محصوراً في ورشة أحد؛ فبفضل الله ثم إتقاننا للغات أخرى، وجدنا في المجتمعات التقنية العالمية من يشرح أدق التفاصيل، ويبسط المخططات والحلول مجاناً ومن القلب دون خوف أو احتكار. وإذا كنا نريد أن نتقدم مثل الدول التي سبقتنا في التكنولوجيا والإلكترونيات، فعلينا أن نتبنى ثقافة تبادل المعرفة ونبذ احتكارها.
العلم إذا كتمته مات معك، وإذا نشرته بقي أثره بعد رحيلك؛ تذكّر قول النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». اجعل خبرتك صدقة جارية ترفع درجتك، فالدنيا فانية والأثر الطيب هو ما يبقى.