16/04/2026
قوة الشيكل وإعادة تشكيل العوائد والاستقرار الاقتصادي: تحليل شامل لتأثيرات سعر الصرف محليًا وإقليميًا
يشهد الشيكل الإسرائيلي مرحلة استثنائية من القوة، حيث انخفض سعر صرفه إلى أقل من 3 شيكل مقابل الدولار لأول مرة منذ عام 1995، مسجلاً مستويات تقارب 2.99 شيكل/دولار. هذا التحرك لا يُعد مجرد تقلب دوري في سوق العملات، بل يمثل تحولًا هيكليًا عميقًا يعكس إعادة تسعير شاملة للمخاطر الاقتصادية والجيوسياسية، وانعكاسًا لتغيرات جوهرية في تدفقات رأس المال العالمية وقوة الاقتصاد المحلي.
خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، ارتفع الشيكل بأكثر من 20% مقابل الدولار، في وقت سجل فيه مؤشر S&P 500 ارتفاعًا يقارب 30%. إلا أن هذه المكاسب لم تنعكس بشكل كامل على المستثمرين في بيئة الشيكل، حيث أدى تراجع الدولار بنسبة تقارب 20% إلى تقليص العوائد الفعلية إلى حدود 10% أو أقل. هذا التباين يعكس بوضوح أن مخاطر العملة (Currency Risk) أصبحت العامل الحاسم في تحديد العائد الحقيقي، متجاوزة في تأثيرها أداء الأصول الاستثمارية نفسها.
وتتضح هذه الفجوة بشكل أكبر عند مقارنة المحافظ الاستثمارية، حيث سجلت الاستثمارات المرتبطة بالدولار بشكل كامل عوائد لا تتجاوز 3.4%، في حين حققت المحافظ المتنوعة أو المُدارة عوائد وصلت إلى 29.4%، بينما بلغت العوائد في المسارات العامة الأقل مخاطرة حوالي 17%. هذه الفجوة الكبيرة تؤكد أن إدارة التعرض للعملات الأجنبية أصبحت عنصرًا استراتيجيًا في بناء المحافظ الاستثمارية، وليست مجرد عامل ثانوي.
ويبرز تأثير قوة الشيكل بشكل أكثر حدة في أداء صندوق الثروة السيادي الإسرائيلي (صندوق المواطنين)، حيث حقق الصندوق عائدًا استثماريًا مرتفعًا بالدولار بلغ 18.4% خلال عام 2025، بما يعادل 411 مليون دولار (1.38 مليار شيكل). إلا أن ارتفاع قيمة الشيكل أدى إلى محو نحو 1.1 مليار شيكل من هذه الأرباح، لتتقلص العوائد الفعلية إلى 3.8% فقط (238 مليون شيكل). هذا المثال يعكس بوضوح كيف يمكن لتحركات سعر الصرف أن تعيد تشكيل النتائج المالية بالكامل، حتى في حالة الأداء الاستثماري القوي.
تبلغ قيمة أصول الصندوق حوالي 8.66 مليار شيكل، مع تركيز استثماري كبير على الأسهم بنسبة 69.3%، بينما يشكل الدولار الأمريكي أكثر من 70% من مكونات العملة في المحفظة، مقابل أقل من 20% لليورو، والباقي موزع على عملات أخرى. هذا التركز العالي في الدولار جعل الصندوق عرضة بشكل مباشر لتأثير ضعف العملة الأمريكية، رغم تنوعه الجغرافي والقطاعي.
على مستوى العوامل المحركة، فإن قوة الشيكل لا تعود إلى سبب واحد، بل إلى تلاقي عدة عناصر، تشمل تدفقات استثمارية أجنبية قوية بلغت نحو 39 مليار دولار في عام 2025 مقارنة بـ25 مليار في 2024، إضافة إلى بيع المستثمرين المؤسساتيين نحو 13.3 مليار دولار من العملات الأجنبية خلال الربع الأخير من 2025، وهو أعلى مستوى تاريخي. كما ساهمت التوقعات الجيوسياسية، مثل اتفاقيات التهدئة والمفاوضات الإقليمية، في خفض علاوة المخاطر وتعزيز الثقة في السوق.
في الوقت ذاته، يلعب ضعف الدولار عالميًا دورًا محوريًا، حيث تدعم السياسات الأمريكية اتجاهًا نحو إضعاف العملة لتحفيز الصادرات، ما يعزز من قوة الشيكل بشكل إضافي. كما أن انخفاض التضخم إلى ضمن النطاق المستهدف (1%–3%) يعكس تأثير قوة العملة في خفض تكاليف الاستيراد، رغم أن ذلك يأتي على حساب تنافسية الصادرات.
ورغم هذا الاتجاه، تبقى التوقعات المستقبلية غير مستقرة بالكامل. فبعض التقديرات تشير إلى إمكانية استقرار السعر بين 3.0 و3.12 شيكل للدولار حتى نهاية 2026، بينما تذهب سيناريوهات أكثر تفاؤلًا إلى إمكانية وصوله إلى مستويات أدنى بكثير في حال حدوث تحولات جيوسياسية كبرى. في المقابل، فإن أي تصعيد إقليمي، خاصة في ملف إيران، قد يؤدي إلى تقلبات حادة وانعكاس سريع في الاتجاه.
في المقابل، تفرض هذه القوة تحديات حقيقية على الاقتصاد الحقيقي، خصوصًا على القطاع التصديري. إذ يمكن لارتفاع العملة بنسبة 20% أن يحول هامش ربح يبلغ 15% إلى خسارة فعلية، مما يضغط على القدرة التنافسية للشركات المصدّرة. في المقابل، يستفيد قطاع الاستيراد من انخفاض تكلفة السلع، ما يخلق حالة من إعادة التوازن التدريجي داخل الاقتصاد.
أما على صعيد السياسات النقدية، فمن غير المرجح أن يلجأ البنك المركزي إلى التدخل المباشر في سوق العملات عبر بيع الاحتياطيات، رغم امتلاكه أكثر من 230 مليار دولار. وبدلاً من ذلك، تبقى أداة خفض أسعار الفائدة الخيار الأكثر ترجيحًا في حال الحاجة إلى كبح قوة الشيكل، لما لها من تأثير غير مباشر وأكثر استدامة على سعر الصرف.
استشرافًا للمستقبل، تشير المعطيات إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية: الأول يتمثل في استمرار قوة الشيكل في ظل استقرار العوامل الحالية؛ والثاني يتمثل في انعكاس الاتجاه نتيجة صدمات خارجية مثل تراجع الأسواق الأمريكية أو تصعيد جيوسياسي؛ أما الثالث فيرتبط بتدخل نقدي محتمل عبر أدوات السياسة النقدية. ومع ذلك، يبقى العامل الحاسم في جميع السيناريوهات هو تقلب سعر الصرف وسرعة تغيره، مما يجعل البيئة الاستثمارية الحالية شديدة الحساسية وسريعة التحول.
في السياق الفلسطيني، يكتسب تأثير قوة الشيكل بُعدًا أكثر تعقيدًا، نظرًا للطبيعة الهجينة للاقتصاد، حيث يتم التداول بالشيكل إلى جانب الدولار والدينار. بالنسبة للموظفين الذين يتقاضون رواتبهم بالدولار، فإن ارتفاع قيمة الشيكل يعني تآكلًا مباشرًا في القوة الشرائية. فعلى سبيل المثال، إذا انخفض سعر الصرف من 3.6 إلى 3.0 شيكل للدولار (أي انخفاض بنحو 17%)، فإن راتبًا بقيمة 2,000 دولار كان يعادل 7,200 شيكل أصبح يعادل 6,000 شيكل فقط، أي خسارة فعلية قدرها 1,200 شيكل شهريًا دون أي تغيير اسمي في الراتب، وهو ما ينعكس مباشرة على مستوى المعيشة والقدرة الادخارية.
أما بالنسبة للأفراد المقترضين بالدولار، فإن قوة الشيكل توفر تخفيفًا مؤقتًا في عبء السداد، حيث تنخفض قيمة الأقساط عند تحويلها إلى الشيكل. فعلى سبيل المثال، قسط شهري بقيمة 1,000 دولار كان يعادل 3,600 شيكل أصبح يعادل 3,000 شيكل، أي انخفاض يقارب 17%. إلا أن هذا التحسن يحمل مخاطر مستقبلية، إذ أن أي انعكاس في سعر الصرف قد يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في الالتزامات، مما يخلق حالة من عدم الاستقرار المالي للأفراد غير المحميين من تقلبات العملة.
وعلى مستوى الشركات الفلسطينية، يظهر التأثير بشكل متباين بين القطاعات. فالشركات المستوردة تستفيد من انخفاض تكلفة البضائع، مما يحسن هوامش الربح أو يعزز القدرة التنافسية. في المقابل، الشركات التي تحقق إيرادات بالدولار تواجه انخفاضًا في الإيرادات الفعلية عند تحويلها إلى الشيكل، ما يؤدي إلى ضغط على الأرباح إذا لم يتم تعديل نماذج التسعير.
أما القطاع التصديري، فهو الأكثر تأثرًا سلبًا، حيث يؤدي ارتفاع الشيكل إلى تآكل الهوامش الربحية بشكل مباشر، خاصة في الحالات التي تكون فيها التكاليف بالشيكل والإيرادات بالدولار. في المقابل، يستفيد المستوردون بشكل واضح، مما يعزز موقعهم التنافسي ويزيد الضغط على المنتج المحلي، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إعادة توزيع الأرباح داخل الاقتصاد لصالح الأنشطة المرتبطة بالاستيراد.
في الخلاصة، لم يعد الأداء الاستثماري أو الاقتصادي يُقاس فقط بعوائد الأسواق أو الإنتاج، بل أصبح يعتمد بشكل جوهري على إدارة مخاطر العملة. إن تجاهل هذا العامل في البيئة الحالية قد يؤدي إلى تآكل كبير في العوائد والدخل، حتى في ظل أداء اقتصادي أو استثماري قوي. وعليه، فإن المرحلة الحالية تمثل انتقالًا نحو نموذج اقتصادي أكثر تعقيدًا، حيث تصبح إدارة سعر الصرف عنصرًا مركزيًا في اتخاذ القرار المالي والاستثماري على مستوى الأفراد والشركات والدول.
أصول للتدقيق والخدمات الاستشارية
براء الشيخ قاسم
أصول للتدقيق والخدمات الاستشارية
براء الشيخ قاسم