14/06/2026
*ظلال الموت*
في الساحة الترابية لقرية "تل الرماد"، كان يقف تمثال حجري قديم لرجل يحمل مِعولاً. لسنوات طويلة، لم يكن التمثال سوى جزء من جغرافيا المكان المهملة؛ كان الأطفال يربطون حبال قفزهم بقاعدته، والباعة يستندون إليه في هجير الظهيرة، والطيور تترك آثارها عليه دون اكتراث من أحد.وعلى بعد خطوات قليلة من هذا التمثال، في دكان صغير مظلم، كان يعيش "عم منصور". كان منصور خطاطاً وفناناً تشكيلياً بالفطرة، قضى عمره يوثق تاريخ القرية، ويرسم ملامح كبار السن، ويكتب لافتات الدكاكين متبرعاً. والأهم من ذلك، كان منصور بصيص الوعي في القرية؛ إذ كان يستغل ريشته ليرسم لافتات احتجاجية يرفعها الفلاحون عندما حاولت البلدية استملاك أراضيهم الزراعية لصالح مشاريع وهمية، وكان يكتب مقالات في صحف محلية منسية يفضح فيها الفساد وغياب الخدمات.لم يكن رئيس البلدية، "سعاد بك"، يطيق منصور؛ كان يراه محرضاً ومصدراً للإزعاج، فحاربه في رزقه، وصادر مرسمه عدة مرات بتهمة "العمل دون ترخيص"، وسخر منه في الاجتماعات العامة قائلاً: "القرية بحاجة إلى أسمنت وقطران، لا إلى ألوان وخرابيش". وعاش منصور سنواته الأخيرة تحت حصار التهميش والفقر، حتى مات وحيداً في دكانه البارد، ودُفن في أطراف المقبرة دون جلبة.بعد وفاته بأشهر، واجه المجلس البلدي أزمة سياسية حادة؛ حيث تزايدت احتجاجات الأهالي بسبب انهيار البنية التحتية، وانتشرت تقارير في العاصمة تتهم "سعاد بك" بالفساد المالي. وهنا، تدخل مستشاروه السياسيون بخطة "إعادة توجيه الرأي العام". كانت الفكرة تقتضي تحويل القرية فجأة إلى "منارة ثقافية وسياحية" للتغطية على الإخفاقات، وامتصاص غضب الناس، وإظهار السلطة بمظهر الراعي للفنون والتراث.وكان أول القرارات المنقولة عبر مكبرات الصوت: "نقل النصب التاريخي من الساحة إلى متحف القرية الوطني الجديد".تحول التمثال فجأة إلى مشروع قومي؛ طُوّق بأشرطة حمراء، وجاءت رافعة ضخمة تحيط بها كاميرات التلفزيون الرسمي. وخلف زجاج المتحف المصقول، وتحت أضواء "السبوتلايت" الموجهة بدقة، وُضع التمثال فوق قاعدة من الرخام الأسود، وكُتبت تحته لافتة نحاسية براقة: "رمزية الصمود في وجه التحديات – برعاية المجلس البلدي".لكن المناورة السياسية الأكبر كانت في الجدار المحيط به؛ فقد قامت إدارة المتحف بمصادرة وشراء كل اللوحات المتربة التي تركها "عم منصور" في دكانه المهجور بأبخس الأثمان من ورثته المستورين. وُضعت اللوحات في إطارات مذهبة فاخرة، وسُلّطت عليها الأضواء، وكُتب تحتها: "روائع الفنان المناضل منصور، عبقري القرية الذي حظي برعاية واهتمام رجالات البلدة"! بل إن لوحاته التي كان ينتقد فيها الفساد، جرى تأويلها في دليل المتحف على أنها "استشراف للمستقبل المزدهر الذي تقوده البلدية الحالية".افتُتح المتحف في حفل رسمي ضخم لقص الشريط. وقف "سعاد بك" ببدلته الأنيقة أمام الكاميرات، ووراءه تمثال العامل الحجري ولوحات منصور، وألقى خطبة عصماء قال فيها ببرود: "لقد كان الراحل منصور صديقاً شخصياً، وكنّا نتحاور دائماً حول رفعة هذه القرية. إن هذا المتحف هو رد جميل لذكراه، وتأكيد على أن سلطتنا تقدر الفن والإنسان!". صفّق الحاضرون بحرارة، والتقط المسؤولون صور "السيلفي" أمام اللوحات.وفي الأيام التالية، تدفق أهل القرية—الذين كانوا يمرون بالتمثال وبـ "عم منصور" دون أن يرمقوهما بنظرة—ودفعوا تذاكر غالية للدخول. وقفوا أمام التمثال واللوحات بوجوه ملؤها الذهول، يتحدثون بصوت خافت عن "العبقرية التي خسرتها القرية" وعن "أريحية وعدالة رئيس البلدية" الذي كرّمه.في زاوية الغرفة، كان يقف "عم عثمان"، البنّاء العجوز والصديق الوحيد لمنصور. نظر عثمان إلى التمثال الذي لم يتغير فيه حجر واحد، ثم إلى رئيس البلدية الذي كان منصور يفضحه بريشته وهو الآن يبتسم بجانب صورته، وابتسم بمرارة ونبس بصوت دافئ وموجع:"يا منصور.. التمثال لم يتغير، ولوحاتك هي ذاتها التي صودرت يوماً. لم يكتسب الحجر جمالاً، ولم تزدد ألوانك بريقاً.. لكن السلطة احتاجت إلى (قناع ثقافي) يخفي تشققات جدرانها، فغيرت المكان، ووضعوا حولكما إطاراً من الثمن والوجاهة، فتغيرت عيون الناس تلقائياً بناءً على رغبة المخرج".التفت عثمان إلى حفيده الصغير وقال:"يا بني، السياسة في أوطاننا لا تحب الأحياء العباقرة، لأن الحيّ يطالب بحقه، وينتقد, ويصرخ. إنهم يحبون العباقرة أمواتاً؛ لأن الميت لا يتكلم، ولا يعترض، ويمكن تحويل إرثه إلى وسام يضعه الفاسد على صدره. مجتمعنا يساق بعيون السلطة؛ لا يرى قيمة الحيّ حتى يموت، ولا يرى قيمة العبقري حتى يصبح جزءاً من بروباغندا الحاكم".وقف "سعاد بك" ببدلته الأنيقة أمام الكاميرات، والتقط المسؤولون صور "السيلفي" أمام اللوحات والتمثال، وسط تصفيق حار من أهالي القرية الذين أبهرتهم أضواء المكان وجلال الإطارات المذهبة.في تلك الأثناء، تسلل "عم عثمان" وحفيده خارج قاعة العرض الرئيسية، مبتعدين عن صخب الحفل والخطابات الرنانة. توجها نحو الجناح الخلفي للمتحف، حيث كانت توجد نافذة زجاجية ضخمة تطل مباشرة على الشارع الخلفي.من خلال الزجاج المصقول، نظر عثمان إلى الخارج؛ على الرصيف المقابل للمتحف تماماً، في الهجير الحارق، كان يجلس "عماد"، ابن الراحل عم منصور. شاب في مقتبل العمر، ورث عن أبيه ملامحه المتعبة وعزّته، لكنه لم يرث شيئاً من أموال المتحف التي ذهبت لوسطاء وسماسرة السلطة. كان عماد يرتدي ثياباً بالية، ويضع أمامه بضاعة بسيطة من الخضار لبيعها، تماماً كما كان والده يفعل ليسد رمقه.المفارقة كانت صارخة؛ عشرات المسؤولين والوجهاء يدفعون مئات الدولارات لشراء بطاقات الدخول وباقات الورد لافتتاح معرض منصور "الميت"، بينما ابنه "الحيّ" يلهث خارج الجدار من أجل دراهم معدودة، ويمر به نفس هؤلاء المسؤولين بسياراتهم الفارهة دون أن يلتفت إليه أحد، أو ربما ينهرونه لأنه "يشوه المنظر الحضاري للمتحف".في تلك اللحظة، حدث أمرٌ رمزي؛ انقطع التيار الكهربائي فجأة عن المتحف—وهو أمر معتاد في القرية بسبب تهالك البنية التحتية التي تناستها البلدية.حلّ ظلام دامس داخل القاعات الفاخرة، وانطفأت أضواء "السبوتلايت" الموجهة بدقة نحو التمثال ولوحات منصور. في ثوانٍ معدودة، اختفى كل ذلك البريق المصطنع؛ غرق التمثال الحجري في عتمة حالكة ولم يعد يراه أحد، وبدت الإطارات المذهبة للوحات مجرد مربعات سوداء باهتة لا قيمة لها. ساد الذعر والهرج والوجوم بين الحاضرين، وبدا المتحف فجأة كقبر بارد وموحش، وسقط القناع السياسي الذي كلف الملايين في لحظة واحدة.لكن في المقابل، ومن خلال النافذة الزجاجية، كان الضوء الوحيد المتبقي في المكان هو ضياء الشمس الطبيعي القادم من الشارع. كان ذلك الضوء ينسكب بكرم فوق جسد الشاب "عماد" وهو يبتسم برضا لزبون بسيط، وفوق عرق العمال الكادحين في الحقول البعيدة.التفت عم عثمان إلى حفيده، وأشار بيده نحو النافذة وقال بنبرة هادئة حملت كل الحقيقة:"انظر يا بني.. عندما تنطفئ أضواء السلطة المزيفة، يعود الحجر حبراً صامتاً في الظلام، وتعود البروباغندا إلى حجمها الحقيقي.. لا يتبقى في الضوء سوى الإنسان الحيّ الشغال في الشارع. قيمة منصور لم تكن يوماً في هذه الجدران، بل كانت هناك.. في طين الأرض وعرق الناس.. وحيثما وُجد الصدق، وُجد النور الحقيقي .
س.تحسين بنيان