18/10/2025
البحوث الزراعية... الجيش الأخضر في اليوم العالمي للغذاء
✍️ بقلم: د. سفيان سليمان
يحتفل العالم في السادس عشر من أكتوبر من كل عام بـ اليوم العالمي للغذاء، تحت شعار يذكّر البشرية بأهمية الزراعة والبحث العلمي في تحقيق الأمن الغذائي ومكافحة الجوع. وفي هذا اليوم الذي تتجدد فيه الدعوة إلى حماية مصادر الغذاء، تبرز تجربة هيئة البحوث الزراعية السودانية كأحد أكثر النماذج الوطنية إلهامًا في الصمود والإنتاج رغم الحرب والدمار، لتؤكد أن الزراعة ليست مجرد مهنة، بل رسالة مقاومة وطنية وأمل متجدد في وجه المحن.
تنتشر هيئة البحوث الزراعية عبر ٢٧ محطة بحثية و ١٤ مركزًا بحثيًا تغطي جميع ولايات السودان الثماني عشرة، وتشكل هذه المنظومة العمود الفقري للمعرفة الزراعية والتنمية الريفية في البلاد. غير أن الحرب الأخيرة ألقت بظلالها الثقيلة على هذا الصرح العلمي، إذ تعرّض عدد من محطاته ومراكزه إلى الهجوم والنهب والتخريب من قبل قوات مليشيا الدعم السريع.
بدأت المأساة من ولاية الخرطوم حيث تم احتلال مجمع بحوث شمبات الذي يضم محطة بحوث شمبات (أقدم محطة بحثية في السودان، أنشئت عام 1904م) إلى جانب مركز بحوث المحاصيل البستانية ومركز بحوث التقانة والسلامة الحيوية ومركز بحوث الدراسات الاقتصادية والسياسات الزراعية، إضافة إلى مباني رئاسة الهيئة بولاية الخرطوم ومنازل العاملين. كما شمل الاحتلال مجمع بحوث سوبا الذي يضم محطة بحوث الأراضي الملحية بسوبا ومركز بحوث الغابات والصمغ العربي ومراكز متخصصة أخرى.
وأمام هذا الواقع، نزح الباحثون والعاملون إلى المدن الآمنة لمواصلة مهامهم البحثية. فكانت مدينة ود مدني في ولاية الجزيرة أول محطات الاستقرار، حيث تقع رئاسة الهيئة ومحطة بحوث الجزيرة ومحطة بحوث معتوق إلى جانب عدد من المراكز البحثية المهمة مثل مركز بحوث الغلال ومركز بحوث الأراضي والمياه ومركز بحوث وقاية المحاصيل ومركز بحوث المحاصيل الزيتية ومركز الموارد الوراثية النباتية. ورغم شح الموارد وصعوبة الظروف، واصل الباحثون عملهم هناك بشكل طبيعي إلى أن وصلت المعارك إلى ود مدني، فانتقلت الإدارة والباحثون إلى محطة بحوث سنار لمتابعة أعمالهم.
ومع انتقال الحرب إلى ولاية سنار، اضطر الباحثون إلى النزوح مجددًا من محطة بحوث سنار ومحطة بحوث السوكي ومحطة بحوث أبونعامة، لتتوزع فرق العمل من الباحثين والكوادر الإدارية بين ولاية القضارف في محطتي القضارف والرهد، وولاية كسلا في محطتي كسلا وحلفا الجديدة، كما انتقلت الإدارة العليا إلى مدينة بورتسودان حيث محطة بحوث البحر الأحمر التي أصبحت مقرًا مؤقتًا لادارة الهيئة ممثلة في المدير العام نائبه ومديري الإدارات العامة.
وفي الأثناء، واصل الباحثون أعمالهم في محطات الولايات المستقرة نسبيا مثل محطة بحوث كوستي بولاية النيل الأبيض، ومحطة بحوث الدمازين بولاية النيل الأزرق، ومحطة بحوث الحديبة ومحطة بحوث شندي بولاية نهر النيل، إلى جانب محطات الولاية الشمالية في دنقلا ومروي والملتقى، التي حافظت على سير التجارب الزراعية وإنتاج التقاوي. أما في كردفان ودارفور، فقد واجه الباحثون ظروفًا استثنائية، إذ حوصرت محطة بحوث الأبيض بولاية شمال كردفان ومحطة بحوث كادقلي بولاية جنوب كردفان، بينما تعرضت محطة بحوث الفولة بولاية غرب كردفان ومحطات دارفور في الفاشر ونيالا وزالنجي والجنينة والضعين إلى التدمير أو الاحتلال الكامل.
ورغم كل هذه التحديات، لم يتوقف نبض العلم والعمل. فقد تحولت الاجتماعات واللجان العلمية إلى وسائط إلكترونية، واستمر التواصل بين الباحثين في كل الولايات. وتم خلال الحرب إجازة 83 تقانة جديدة عبر اللجان القومية الثلاث: لجنة إجازة الأصناف ولجنة فلاحة المحاصيل ولجنة الآفات والأمراض. كما تم تنفيذ عملية بطولية لإنقاذ مدخلات بنك الموارد الوراثية النباتية بنقلها من الأبيض إلى بورتسودان، ثم إلى القبو القطبي العالمي للحفظ والتخزين، حفاظًا على الإرث الوراثي الزراعي للأجيال القادمة.
إن ما قامت به هيئة البحوث الزراعية خلال هذه الحرب هو ملحمة وطنية حقيقية، تُظهر أن العلم يمكن أن ينتصر على الحرب، وأن الباحثين يمكن أن يكونوا جنودًا في معركة الوجود دون أن يحملوا سلاحًا. ففي الوقت الذي تتعطل فيه مؤسسات الدولة وتتوقف الخدمات، ظل الباحثون في الميدان يزرعون الأمل وينقلون التقانات ويحافظون على إرث علمي عمره أكثر من قرن.
وفي اليوم العالمي للغذاء، نستحضر هذا الدرس العظيم: أن حماية المعرفة الزراعية لا تقل أهمية عن حماية الأرض والسيادة، وأن الأمن الغذائي يبدأ من المعمل قبل أن يصل إلى المزرعة. فالباحثون والعاملون في هيئة البحوث الزراعية هم بحق الجيش الأخضر، يحمون السودان بعقولهم قبل أيديهم، وبحبهم للأرض قبل امتلاكهم للأدوات.
لقد أثبتوا أن الخضرة يمكن أن تهزم الرماد، وأن سنبلة القمح أقوى من رصاصة الحرب، وأن السودان، مهما اشتدت عليه
المحن، سيبقى شامخًا بزراعته، وعلمه، وإرادة أبنائه.
رأيكم يهمنا دائما،شاركونا رأيكم....
تابعوا المزيد عبر المنتدى بتفعيل 👍🏻 LIKE
و راسلونا على بريدنا الإلكتروني [email protected]