05/11/2023
https://www.facebook.com/100044259584688/posts/894301138721864/?sfnsn=mo
المزايدات التونسية على فلسطين الغالية .
الانتباه الى القضية الفلسطينية بعد طوفان الأقصى ليس حالة عربية او إسلامية فقط بل هى حالة انسانية منقطعة النظير .
لم يتظاهر المسلمون ولا العرب بالقدر الذي تظاهر به الاحرار فى لندن ومدريد وكبنهاقن ونيويورك وبرازلييا وبوليفيا وكل امريكا الاتنيية .
ولم تتحرك النقابات المهنية العربية والإسلامية التي لديها علاقة باسرائيل ،ممثلما تظاهرت وامتنعت النقابات المهنية الاوربية والعالمية وامتنعت على وسق المنتجات الى الكيان الغاصب .
فى وسط هذا الزخم العالمي الكبير والذي اثر على القرار الدولي والرسمي فى كثير من البلدان التى تناصر الكيان الغاصب دون قيد او شرط اصبحنا نشاهد المراجعات تلو التراجعات فى الدعم له من الحلفاء التقلدين ،تظهر الحالة العربية الأكثر تواضعا وتاثيرا فى القرار الداخلى والخارجي .
ضمن هذه الوضعية العربية والإسلامية البائسة تظهر الحالة التونسية كحالة فريدة جديرة بالاهتمام والدراسة .
التونسيون على مر العصور عاطفيون يندفعون بسرعة ويحبطون بسرعة ،يتفاءلون كثيرا ويتشاءمون كثيرا .
فى هذه الظروف الصعبة اصبحت القضية الفلسطينية مشكلة داخلية تقسم التونسيون بعد ان اصبحت موحدة لهم وذلك بطرح قانون تجريم التطبيع للنظر والتعاطى فيه أمام البرلمان الهش وضعيف التمثيلية منذ البداية .
التطبيع كمقولة سياسية انطلقت بعد تمرير اتفاقية كامب دافيد بين مصر وإسرائيل وتعنى منع وصول هذه الاتفاقية الى الشارع وبقائها فى اطارها الرسمي والدبلماسي لا غير .ومع الزمن اصبحت تعني منع التعاطي مطلقا مع الكيان الغاصب .
بعض الدول العربية فى محور المقاومة لم تفكر مطلقا فى زجر او تجريم التطبيع كما هو الحال بالنسبة للنظام العراقى فى عهد الرئيس الشهيد صدام حسين ،وكذلك النظام السورى الذي كان على خط المواجهة مع الكيان ولا النظام السوداني الذي كان يتبنى مواقف متشددة فى عهد عمر البشير رغم ان نظام نميري كان مطبعا وهو من ساهم فى إرسال يهود الفلاشا الى القدس .
ثلاث حالت عربية معروفة كلها لم تكن من انظمة المقاومة هى التي انخرطت فى موضوع زجر التطبيع بنصوص قانونية .ليبيا فى عهد السنوسي سنة 1962 والكويت فى عهد الأمير جابر الصباح سنة 1970 والعراق سنة 2022 فى تماه تام مع الموقف الإيراني.
هذه الحالات الثلاث هى التى زجرت التعامل المدني او الرسمي مع الكيان الغاصب .
نجد دولا اخرى مثل لبنان تتعاطى مع كل حالة منفردة وحسب الجهة النافذة الحاكمة ولكن لم نعثر بعد البحث القانوني على نص يزجر التعامل مع الكيان الغاصب .
تونس ذات العاطفة الجياشة نحو القضية الاعدل ما فتأت نخبتها تحاول منع التعامل مع الكيان الغاصب خاصة بعد شيوع التعامل الفنى والاقتصادى فى العشر سنوات الاخيرة من حكم الرئيس الاسبق بن على وتضخم حفلة "الزردة" للسيدة الغربية شهر ماى من كل سنة والتى تعرف فى مصطلح خاطئ وخطير" بحجة الغريبة ." وهي ليست من الحج فى شيئ .
غير ان عوائق منعت اصدار هذا القانون الزاجر للتعاطى مع الكيان الغاصب شعبيا ورسميا يمكن ان نعددها على النحو التالي ؛:
اولا :ان الراي الرسمى التونسي وفى كل العصور ان تونس تحت تصرف الارادة الفلسطينية وليست أشد حرصا منها باعتبارها الممثل الشرعى والوحيد للشعب الفلسطيني .ترجم هذا بعد اتفاقية أوسلو باحداث مكتب اتصال متبادل مع إسرائيل بطلب فلسطينى ثم سحبه بعد حصار عرفات الذي انتهى بموته مسموما فى رام الله .
ثانيا : ان اسرائيل لا تضع تونس فى أولويات التعاطي الدبلماسي خاصة بعد خروج منظمة التحرير منها الى الضفة الغربية وعدم وجودها على خطوط التماس ولا هى ايضا ذات دور مأثر فى الصراع معها كما الجزائر ومصر والسعودية وسوريا والعراق والمغرب وغيرهم من الدول الكبرى العربية .
ثالثا : ان النخبة التى تطالب بمنع التعامل مع إسرائيل نخبة غير مؤثرة لكونها مشتتة وبعيدة كل البعد عن التاثير فى الواقع التونسي .
رابعا : ان البرلمان التونسي ليس برلمانا عاكسا لارادة شعبية بقدر ما هو عاكس للسلطة التنفيذية وارادتها ولم يسجل تاريخه مرة واحدة تمردا عليها وفى كل المجالات .
ازاء هذا الواقع التونسي الذي يتميز بالدوافع النبيلة والعجز المطرد أتت هذه المرة الدعوى الى تجريم التطبيع بعد ان فشلت الدعوى الاولى سنة 2015 فى ظل حكم النهضة والنداء .
الاعتقاد كان سائدا عند العموم، الا قلة، ان هذا القانون الذي سمى خطأ قانون تجريم التطبيع فى طريق مفتوح نحو المصادقة عليه فالسلطة التنفيذية ممثلة فى رئيس الدولة يرفع شعار التعامل مع الكيان خيانة عظمي والجهة الى أحيت المشروع اقرب الجهات السياسية اليه منذ سنة 2019 ورئيس البرلمان حدد موعددا لنقاش القانون يوم 2 نوفمبر فى رمزية الاشارة الى وعد بلفور المشؤوم .
قلة قليلية من المتابعين ضل يساورهم شك فى تمرير هذا النص لان توقيته والاستقطاب العالمي لن يسمح بالتهاون فى شأنه.
وظهر ان هذه القلة كانت اثقب نظرا واشد اطلاعا وقد تأكد ذلك بصفة قاطعة بعد ان تم تأجيل جلسة المصادقة الى اجل غير مسمي من رئيس البرلمان وقد وضع النواب امام مسؤوليتهم فى تمرير قانون يمس من أمن تونس الخارجي .ويجعل التمادي فيه خيانة عظمي .
لا شك أن ضغطا شديدا سلط على السلطة للتعامل بحذر مع هذا القانون سواء من مؤسسات الداخل او حتى الخارج .
المقلق فى هذا الموضوع انه حول النقاش من وجهته الاصلية، فى هذا الوقت بالذات، التى يجب ان تكون حول مبادرات حماية الفلسطينين من الهجمة العنصرية غير المسبوقة من الكيان الغاصب الى نقاش داخلى تونسي تونسي مشكك فى كل الاحوال بالانتماء الأكثر للقضية العادلة .
ازاء هذا التمزق الداخلى تظهر الحالة التونسية مضطربة مرتكبة الاولويات لا تحظى بالاجماع الازم والذي لا يشير الا الى قدس الاقداس والى مقاومة وجرائم الحرب المرتكبة بدم بارد .وهى حالة بائسة لا اكثر ولا اقل .
الأولوية الان هي وجود صيغة مثلى تحافظ على التوازن الداخلى والمصالح الخارجية ولا تكون معه هذه المبادرة خطوة الى الوراء .