02/05/2026
الفصل 21 من مجلة المحروقات التونسية: مرونة تعاقدية أم تنازل سيادي؟
المقدمة
يُعد الفصل 21 من مجلة المحروقات (القانون عدد 93 لسنة 1999، كما تم تنقيحه لاحقاً) أحد أبرز الأحكام إثارة للجدل في التشريع التونسي المتعلق بالموارد الطبيعية. ينص الفصل على:
«يمكن أن تسوى النزاعات الناجمة عن تطبيق أحكام الاتفاقية الخاصة بواسطة التحكيم وتحدد هذه الاتفاقية الخاصة طبيعة التحكيم ونوعيته وإجراءاته وكذلك شروط تنفيذ قرار التحكيم.»
يبدو هذا النص، للوهلة الأولى، حكماً فنياً يهدف إلى تسهيل الاستثمار. إلا أنه يمثل في جوهره تحولاً خطيراً في فلسفة تسوية المنازعات، إذ يفتح الباب على مصراعيه للتحكيم الدولي دون ضوابط أو قيود واضحة، مما يثير تساؤلات عميقة حول التوازن بين جذب الاستثمار وحماية السيادة الوطنية.
الثغرات الهيكلية للفصل 21
يتميز الفصل بثلاث عيوب أساسية:
الغموض والعمومية المطلقة — لا يحدد نوع التحكيم، ولا يفرض قانوناً واجب التطبيق، ولا يشترط مقعداً، ولا يستثني أي فئة من النزاعات.
التنازل المسبق عن الولاية القضائية الوطنية — يسمح باستبعاد القضاء التونسي في نزاعات تتعلق بموارد استراتيجية، مما يتعارض مع مبدأ سيادة الشعب على الموارد (الفصل 13 من الدستور).
غياب ضمانات المصلحة العامة — لا يحمي الحقوق البيئية، ولا حقوق المجتمعات المحلية، ولا يفرض الشفافية.
الأثر العملي: تكلفة باهظة على الدولة
أدى الفصل 21 إلى سلسلة من الدعاوى التحكيمية الدولية، أبرزها قضايا Zenith Energy (ICSID ARB/23/18 ونزاعات ICC) التي تجاوزت فيها المطالبات 570 مليون دولار، وقضايا Shell المتعلقة بتنازل امتيازات الغاز في خليج قابس. هذه النزاعات تكشف كيف تحولت خلافات إدارية أو تنظيمية إلى مطالبات تعويضية كبرى أمام هيئات تحكيم دولية غالباً ما تميل إلى حماية المستثمر.
مقارنة مع التجارب الدولية
الجزائر: اعتمدت في قانون المحروقات (2005 وتنقيحاته) على نموذج أكثر تشدداً، حيث تُفرض في كثير من الحالات التحكيم في الجزائر أو تطبيق القانون الجزائري كقانون أساسي، مع استثناءات واضحة للنزاعات السيادية.
مصر: بعد أزمة التحكيميات الكبرى (خاصة في قطاع الطاقة)، أدخلت تعديلات على قانون الاستثمار وقانون التحكيم تفرض قيوداً على التحكيم الدولي في العقود الاستراتيجية وتعزز الشفافية.
نيجيريا وأنغولا: تفرضان شروطاً صارمة تشمل "استقرار قانوني" مقيّد وآليات مراجعة دورية، مع الحرص على بقاء التحكيم تحت سيطرة جزئية وطنية.
تونس، مقارنة بهذه الدول، تظل من أكثر الدول ليبرالية في هذا المجال، وهو ما يفسر ارتفاع عدد الدعاوى المرفوعة ضدها.
النقد الفقهي والدستوري
يمثل الفصل 21 تنازلاً غير مبرر عن السيادة الاقتصادية. فهو يعكس منطق التسعينيات الذي كان يعتبر أن جذب الاستثمار يتطلب التنازل عن جزء من السيادة، وهو منطق تجاوزه الزمن بعد ثورة 2011 والدستور الجديد.
من الناحية الاقتصادية، يكلف الدولة مبالغ ضخمة في الدفاع والتعويضات المحتملة. ومن الناحية البيئية والاجتماعية، يغيب تماماً الاعتبار لحقوق الأجيال القادمة. أما قانونياً، فيتعارض مع المبادئ الحديثة للاستثمار المسؤول الذي يطالب بتوازن بين حقوق المستثمر والتزامات الدولة.
الخاتمة والتوصيات
إن الفصل 21 لم يعد مناسباً للواقع التونسي المعاصر. مرونته المطلقة تحولت إلى خطر يهدد السيادة الوطنية على الموارد الطبيعية.
توصيات عملية للتنقيح:
تحديد القانون التونسي كقانون واجب التطبيق الأساسي.
استثناء النزاعات السيادية والبيئية والضريبية من التحكيم الدولي.
فرض الشفافية الكاملة في الإجراءات التحكيمية المتعلقة بالموارد الطبيعية.
إلزامية آليات تسوية ودية وطنية أولاً.
إدراج شروط مراجعة دورية وإعادة تفاوض إلزامية.
المراجع:
مجلة المحروقات (قانون 93-1999 وتنقيحاته).
الدستور التونسي (2014، الفصل 13).
قضايا ICSID: Zenith Energy Africa Ltd. وغيرها ضد تونس (ARB/23/18).
دراسات مقارنة في قانون المحروقات (الجزائر، مصر، نيجيريا).
Global Arbitration Review و IAReporter (تقارير 2025-2026).