07/31/2026
قصه قصيره ضيف من دخان
كانت ليلة هادئة، يجلس "سالم" مستمتعًا بلحظة صفاء نادرة. كوب الشاي الدافئ بين يديه كان رفيقه المثالي، ورائحته النفاذة تملأ المكان بعبق الطمأنينة. ارتشف منه رشفة وهو يبتسم، سعيدًا بهذه السكينة التي طالما بحث عنها.
فجأة، تغير لون الشاي في الكوب. تحول السائل الذهبي إلى سواد حالك كأنه حبر مسكوب. للحظة، ظن سالم أن عينيه تخدعانه أو أن الإرهاق بدأ يسيطر على تركيزه. فرك عينيه بقوة وأعاد النظر، لكن السواد كان حقيقيًا، بل وبدأ يتصاعد منه دخان رمادي كثيف يلتف حول نفسه ببطء.
"لا بد أنني أتخيل..." تمتم لنفسه بصوت خافت، لكن قلبه بدأ يخفق بقوة.
لم يكن خيالاً. بدأ الدخان يتشكل ويتجسد، ينمو ويتمدد كأنه كائن حي يولد من رحم الكوب. أخذ الدخان هيئة وحش مرعب، ملامحه تتغير وتتلوى في الهواء، وعيناه تبرقان بشرر أحمر خافت. تصاعد صوت طقطقة خفيفة من الكوب الزجاجي قبل أن يتشطر إلى قطع صغيرة، متناثرًا على الطاولة.
قفز سالم من كرسيه بذعر، وتراجع إلى الخلف حتى ارتطم ظهره بالجدار. كان كل تفكيره منصبًا على الهرب. ركض نحو الباب وأمسك المقبض، لكنه لم يتزحزح. "ناقص هو الآخر!" صرخ بيأس وهو يهز الباب بكل قوته. أين المفتاح؟
تسمّر في مكانه عندما لمح المفتاح. كان ملقى على الطاولة، بجانب بقايا الكوب المحطم والكتلة الدخانية التي تزداد تضخمًا ورعبًا. همس لنفسه: "مستحيل... كيف سأصل إليه؟ إذا اكتمل تحول هذا الشيء، سيقضي عليّ بالتأكيد".
بحث بعينيه المذعورتين عن أي شيء يمكن استخدامه كسلاح، فلم يجد سوى عصا خشبية قديمة كانت تستند إلى زاوية الغرفة. أمسكها بيدين مرتجفتين، وشعر ببرودتها تنتقل إلى جسده. أخذ نفسًا عميقًا واندفع نحو الطاولة، ملوحًا بالعصا في محاولة يائسة لضرب الوحش الدخاني وإبعاد خطره.
لكن العصا مرت عبر الدخان وكأنها تضرب الهواء. لم تؤثر فيه على الإطلاق. تساءل في رعب: "هل هذا يعني أنه لن يؤذيني؟ أم أنني عالق في كابوس لا مفر منه؟". مستغلاً هذه الفرصة، مد يده بسرعة وخطف المفتاح. وبينما كان يتراجع، سقط المفتاح من يده المرتعشة وتدحرج ليستقر بجانب الباب.
في تلك اللحظة، لفت انتباهه صوت غريب. نظر إلى ساعة الحائط، فرأى عقاربها تدور بسرعة جنونية، وكأن الزمن نفسه قد أصابه الجنون. "ما هذا؟" صرخ. "لماذا لا تتوقف؟... تذكرت... أنا أحلم... هذا ليس حقيقيًا!"
وتمامًا كما فكر، استيقظ.
وجد نفسه على نفس الكرسي، ورأسه يميل على الطاولة. كان كوب الشاي الذي أعده لنفسه أمامه، باردًا لم يمسه أحد. تنهد بارتياح وهو يمسح العرق البارد عن جبينه. "الحمد لله... كان مجرد كابوس".
نهض ليتجه إلى فراشه، لكنه توقف فجأة. عند عتبة الباب، كان المفتاح ملقى على الأرض. اتسعت عيناه رعبًا وهمس بصوت متقطع: "ما هذا أيضًا؟ هل كنت أمشي وأنا نائم؟ أم أن ما حدث لم يكن مجرد حلم؟".
انحنى ببطء ومد يده ليلتقط المفتاح... لكنه كان دافئًا، وعليه آثار عرق من مسكته له.
نظر إلى يديه المرتجفتين، ثم إلى المفتاح الدافئ، ثم إلى الطاولة الفارغة، وقال بضحكة هستيرية مرتبكة: "أكيد خبطت المفتاح بيدي وطار... نعم، هذا هو التفسير الوحيد... أليس كذلك؟".