01/03/2016
كلمة وفاء بحق أبا مراد
أيمن محمد ناصر محمد
أنتقل الى جوار ربه يوم السبت الموافق 13 فبراير الماضي الزميل العزيز محمد سعيد عبدالله (أبو مراد) الصحفي ورسام الكاريكاتير المبدع والخطاط المتميز والذي كرس قرابة35 عاماً من حياتة القصيرة في مهنة المتاعب .. مهنة الصحافة .. ليرسم بقلمة الرشيق خطوطاً تحكي بلغة الصمت عن معاناة الناس وتسجل للزمن مشاهد من حياة المجتمع بانتصاراته وانكساراته .
عرفت أبا مراد من خلال متابعتي منذ فترة مبكرة لرسوماتة الكاريكاتورية في صحيفة 14 اكتوبر وظلت علاقتنا في حدود الزمالة المهنية والمحاطة بسياج متين من المودة والاحترام والتي تعززت لارتباطنا معاً بمدينة التواهي العزيزة على قلوبنا ... هذه العلاقة التي ظلت في ذلك الاطار شهدت اقتراباً قوياً منذ فترة ,هي قصيرة من حيث الزمن الا أن تأثيرها في مجرى علاقتنا تجعلها وكأننا ترعرعنا معاّ منذ الطفولة .
وكان لعزيزاً مشتركا بعد الله أن أتاح لي الفرصة لأكتشف زميل مهنة من جديد ومن زاوية أخرى .. أكتشفه كانسان وجدته رجلاً صامتاً ,قنوعاُ, خجولاُ ,عزيزاُ ,صامتاً ,حتى في مرضه ,مرض بصمت وتاٌلم بصمت ومات بصمت.
فجأة وبدون مقدمات منذ عاماً وبضعة أشهر أصاب محمد سعيد المرض, وأختار المرض جزءاً حيوياً من جسد محمد سعيد .. تعب قلبة فجأة , ذلك الفؤاد تعب ,بعد رحلة حياة رافق فيها صاحبة بالآفراح والأتراح.
كان لمحمد سعيد قلباً كبيراً لم يقتصر عمله على ضخ الدم , بل كان منبعاً للكثير من المشاعر و الأحاسيس التي أضفت علي صاحبها تميزاً انسانياً فريداً .
فكان أبا مراد رجلاً هادىْ الطباع مرهف الشعور والأحاسيس ,عاطفياً رومنسياً يفيض قلبة بالحنان على كل من عرفه.
ولعل الملمح الرئيسي في شخصية محمد سعيد والتي اكتشفته عند إقترابي منه كان في قدرة الفقيد على التصالح مع نفسة و الالتزام بفلسفتة الخاصة في الحياة والتي جعلته بمنأى عن صراعات البشر وخصامهم ,فاكتسب محبة واحترام كل من عرفوه.
محمد سعيد ذلك الصحفي الذي قد لا يعرفه الكثير من جيل اليوم , سجل بريشته قلمة - كمعظم رسامي الكاريكاتير- طول أكثر من ثلاثين سنة تفاعلات الحياة وحركة التاريخ ,ولعل الفن الصحفي الذي أختاره وسيلة للعمل من أصعب الفنون الصحفية لأنه يجمع بين الرسم والتعليق و اللذان يعكسان فكرة مرتبطة بشؤون الحياة في كل المجالات بصورة مبسطة.
ولاشك أن القدرة على ذلك تتطلب موهبة ربانية تصقلها الممارسة والخبرة المكتسبة وتجارب الحياة ,وذلك يجعل من الرسام يعيش بوجدانيه في قلب المجتمع يتوجع لأوجاع الناس ويحزن لحزنهم ويفرح لفرحهم.
هذا الجهد البشري والوجداني أنهك قلب فقيدنا الغالي محمد سعيد بفترة قصيرة خاطفة ...فقضى عاماً متنقلاً بين المستشفيات بحتاً عن راحة لهذا القلب الذي اتسع لهموم الناس وفي لحظة التعب لم يجد من يلتفت اليه !
كثيرة هي الخواطر الذي تحضرني في هذه التناولة وأتذكر انه بعد نزوحي من التواهي في مايو 2015 الى مديرية المنصورة تلقيت اتصالاً هاتفيا من العزيز أبو مراد الذي كان بصنعاء بالمستشفى العسكري بصنعاء يطمئن على حالي وأحوالي ولا أزال أتذكر إهتمامه بمكتب صحيفة "الطريق " ونصيحته لي لاكلف من أثق فيه ممن لم يغادر التواهي وذلك لازاحة يافطة الصحيفة من فوق المبنى حتى تسلم من اقتحام الحوثيين وقوات صالح فأخبرته أن ذلك لا ينفع فقد وجدت المليشيات طريقها لصحيفة "الطريق" بعد أن كانت منازلنا هدفا لاقتحامها.
وأتذكر اتصاله الهاتفي يوم تحرير مدينة التواهي في يوليو 2015 واطمئنانه من خلالي على التواهي وأهلها وتلك الغصة والمرارة في حديثه عن الدمار الذي أصاب عدن تقبله خبر كسر منزلة ونهب بعض محتوياته بعدم اكثراث مشيراً الى أن كل شيُ يعوض الآ الانسان.
لا أزال أتذكر حديثي الدائم معه حول اعجابي بموقع وبناء منزلة البسيط في نهاية شارع الهلال "كريسنت" الشهير بالتواهي واعتزازه بباب منزلة الخشبي والذي يعود الى عمر بناء المبنى نفسة المشيد كغيره من مباني الحى بدايات القرن الماضي بقولة : "هذا تاريخ ...تاريخ يأبو محمد ...هذه معالم عدن ...أنا أجد بيتي الصغير هذا قصرا كبيرا طالما انه بالتواهي وبين الناس."
شاءت الحرب اللعينة أن تخطف على محمد سعيد باب منزلة الخشبي المطعم بالحديد والمدقة ,والذي كثيرا ماكنت اشاهده واقفاً أمامة كمشهد يومي من مشاهد التواهي .
مات محمد سعيد كغيره من الرجال الطيبين الذين يرحلون عنا بصمت تاركين في قلوبنا وجعا والما ,وعلى الرغم من رحيلة عنا , الا أنني لاأزال كعادتي في حياته...أمر كل صباحاً وظهراً ومساءاً من شارع الهلال"كريسنت"...وألتفت الى منزلة والى ركن الشارع الذي كان يجلس فيه , ويخيل اليٌ طيفة هناك يبتسم لي مشجعاً لأكمل المشوار!!
ناشر ورئيس تحرير صحيفة (الطريق)
التواهي الثلاثاء 1 مارس 2016
http://al-omanaa.net/art18626.html
الأمناء نت